Thursday, June 24, 2010

دراسات و نماذج من الشعر السودانى (فى رياض العاشقين



مختارات
من الشعر السوداني
حاتم محمد صالح













المقدمة
لعله من المهم العلم بضرورة الفن لنهضة و تطور الشعوب اذ ان رقى الذوق الفنى و التربية الجمالية لدى الإنسان لها دور عظيم فى تطوره العلمي و التكنولوجي و المعرفى , و الذى من المؤكد ان يؤثر على نشاطاتة البشرية المختلفة يدءا من الحياة اليومية وصولا الى العلاقات الاقتصادية و السياسية و العلمية المعقدة, و مما يزيد فى تعقيد فكرة ضرورة الفن من شعر و مسرح و تشكيل و موسيقى و أدب بانواعة هو الهوية التاريخية لهذا الشعب او ذاك فما يتشربه الانسان من ثقافة و ممارسات ينتجه من ناحية اخرى و يصنعه الى شكل اخر من اشكال الابداع مما يعطى الاستمرارية و التواصل فى حركة الاجيال و أنساقها الثقافية.
بالنسبة الى السودان فقد تدخلت الكثير من العناصر و ساهمت فى خلق المناخ الادبى و الفنى فيه فاتساع الرقعة الجغرافية للسودان و تنوع ثقافاته كنتيجة لطول الحدود المشتركة بينه و بين ما لا يقل عن العشرة دول هى فى الحقيقة حدود يتمثل فيها اعلى حالات التماس الثقافى و الاثنى مع شعوب تلك البلدان, مما جعل السودان قبلة لخطوط التجارة و التبادل الثقافى حيث انصهرت فيه و عبر سنين طويلة اعديد من الثقافات و اللغات و الاجناس عبر مختلف النشاطات البشرية المعروفة من تجارة و غزو و تبادل ثقافى و اقتصادى, كان اشدها تاثيرا الهجرات دائمة الحركة و الترحال للرعاة و التجار و التى استقر جزء منها بشكل دائم و تصاهروا مع القبائل و المجموعات المستقرة التى تعمل بالزراعة و الصناعة.
و لعل من الهجرات الحديثة الهامة و المؤثر على الشق الشمالى من السودان هى الهجرة التجارية الهامة من الجزيرة العربية و التى اثرت تاثيرا مباشرا على شمال السودان ووسطه من خلال المصاهرة و اللغة و الدين الاسلامى على وجه الخصوص و الذى انتشر بسرعة كبيرة فى انحاء السودان الشمالية و الوسطى, و هذا لا ينفى وجود الممالك المسيحية فى ذلك الوقت فى مناطق سوبا و علوة و المقرة و حتى فى دارفور خيث وجدت مملكة مسيحية قديمة كان لها دور كبير فى تشكيل النشاط السياسى و الاقتصادى فى السودان.
و بما ان موضوع هذا الكتاب هو التنوير و الاشارة و ليس التاريخ و النقد فسوف نتطرق فقط لنماذج من الشعر فى محاولة لاختيار ركزنا فيه على جماليات اللغة و البلاغة و البيان , و هنالك مشروع لجزء ثانى نركز فيه على تفاصيل ادبية و توزيع علمى, لان الشعر فى السودان تداخلت عليها الكثير من الشروط و التطورات, فقد احتوت مائدة الشعر السودانى على التاثر الصوفى الى خد بعيد, و التمرد على المجتمع , كما ان هنالك الشعر الوطنى و الذى نما و ترعرع و شب و انتصر على الاستعمار , و تداخل كذلك مع شعر الغزل و الحب فقد انتج السودان شعراء مرهفى الحس مثال التجانى يوسف بشير و ادريس جماع و غيرهم مما لا يحصى و لا يعد و انتج شعراء تغنوا للوطن مثل محمد المكى ابراهيم و صلاح احمد ابراهيم و غيرهم, و من اهم مدارس الشعر و هو ابو الشعر السودانى هو الشعر الصوفى , علما بأن معظم شعراء العربية فى السودان فهم اما حفظة للقرآن الكريم او درسوه و خبروا لغتة خلال الدراسة فى الخلاوى و الكتاتيب, فلا يخلوا شاعر سودانى من معرفة دقيقة بتجويد و دراسة و تفسير القران الكريم , اضافة الى المعرفة بالنظم فى مدح الرسول (ص), و حفظ الاحاديث و السبرة النبوية الشريفة مما صقل و ضبط لغتهم من حيث النحو و الصرف و علوم البيان و البلاغة , ان الزخم الثقافى و اللغوى الذى تزود و تميز به شعراء العربية فى السودان استطاعو ان ينتجوا من خلالة شعرا رصينا و قويا و ممنهجا من حيث الشكل الجمالى و المضمون الفكرى.
و مما تجدر الإشارة إليه وجود شعر سودانى ايام الممالك السودانية القديمة و التى امتدت خلال ذلك التاريخ و بلغت مصر و فلسطين الى حدود الاشوريين , فقد وجدت فى الاثار مقاطع شعرية بلغات قديمة و هى ا ا اشعار ارتبطت بالاساطير و البطولات و الملوك, و الحروب و الانتصارات و الهزائم و حتى الان هنالك كم كبير و زاخر من الأشعار باللغات المحلية المتعددة و ليست المتباينة المتوفرة فى السودان, كما ان هنالك الشعر الذى كتب باللغة الانجليزية غير ان هذين النموذجين الاخيرين ليسا مجال كتابنا هذا.
في إطار الحراك الشعري السوداني يمكننا القول بان الثقافة المكتوبة و التدوينية في السودان قد تمت في وقت متأخر إذ أن العديد من الثقافات المتعددة في السودان اعتمدت على التقنيات الشفاهية إلى حين انتشار التعليم و خصوصا اللغة العربية و الدين الاسلامى في شمال ووسط السودان , و حتى هذا الجانب تأثر كثيرا بالثقافة المحلية و التي كان لها قوتها و تأثيراتها القوية على حركة الفن و الفكر , هنالك جانب آخر و هو الجانب الوطني و الذي نشط بشكل واسع إبان الاستعمار و نشاطات المثقفين السياسية و الثورية و محاولات الترقية الاجتماعية بما يتواكب مع قضايا العصر و متطلباته , فقد ساعدت الثورة الصناعية و الاتصالات في انتقال المعارف و الثقافات من مكان إلى آخر من الخارج و الداخل , فانتقلت القصص و الأشعار و الروايات عن طريق التجار و خطوط السكك الحديدية و البريد
و هنا نود أن نشير إلى أن ضعف الاهتمام بالفن و المبدعين عموما في السودان و تراخى آليات النشر و التوزيع , و خوف رأس المال الخاص من التجارب الثقافية, و تخلى الدولة و رفع يدها تماما عن اى جهود في هذا المجال , كبلت ليس فقط من قدرة الشعر و الشعراء و إنما أيضا المسرح و التشكيل من الحركة الحرة للتعريف بنفسه, و أصبحت تعتمد على المبدعين و جهودهم الخاصة فى البحث عن فضاءات أخرى اكثر رحابة, فأدى ذلك الى لجوء عدد كبير من الفنانين و المبدعين الى معادلة المنفى الاختيار و فى كثير من الاحيان يصبخ منفى قسرى و اجبارى بسبب المضايقات الرسمية و غير الرسمية الت تقف حجر عسرة امام المبدع فى ان يعبر عن كل ما يريد قوله من خلال عمله الفنى...هذ بغض النظر عن عدم المعرفة بضرورة وجود الفن فى الحياة الاجتماعية و عليه سوق نسوق بعض الإفادات من عدد من الفضاءات و الشخصيات الأدبية و نستهلها بهذه الإفادة خول الشعر فى السودان من مجلة العربي الكويتية. و قال أديبنا السوداني العالمي الروائي الكبير الطيب صالح في هذا المضمار عن التكوين الحضاري للسودانيين ما يستحق الذكر (فكانت (ام درمان) العاصمة الجديدة التي التأم فيها شمل القبائل السودانية التي حاربت مع المهدي ممثلة للسودان كله بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، حتى ان هذه القبائل أنشأت احياء معروفة بأسمائها حتى الآن في ام درمان.وكان الامتزاج بين هذه القبائل بالتأثيرات المصرية والشامية والحجازية والشمالية والغربية الافريقية، وهذه كلها شكلت ما يمكن ان نسميه (الحضارة السودانية) اذا جاز التعبير.)
المؤلف












جاء فى مجلة العربى العدد لأربعاء 1 يونيو 2005 23/4/1426هـ / العدد 559
ويعتبر كتاب (الطبقات) لمحمد النورين ضيف الله, من أهم المصادر التي وصلتنا في التاريخ للشعراء, وبه نماذج قليلة من الشعر في عصر مملكة سنار 1505 - 1821م ومن هؤلاء الشعراء الشيخ إسماعيل صاحب الربابة, الذي له نغمة يفيق منها المجنون ويذهل لها العاقل, وهو شاعر اتخذه شاعر كمحمد عبد الحي رمزاً اقترب به من (أورفيوس) الإغريقي.
وقد تأثر الشعر السوداني بأساليب البلاغة من جناس وبديع وطباق, طيلة فترة المملكة السنارية, ثم في الحكم التركي المصري (1821 ـ 1881م) حين قيام الثورة المهدية, وفي أواخر هذا العهد برز عدد من الشعراء منهم السلاوي الذي سافر إلى مصر والتحق بالثورة العرابية.
ولما دخلت القوات البريطانية القاهرة كان الشاعر من المطلوبين للسلطة الاستعمارية, واحتمى بالسيد محمد سر الختم الميرغني, الذي دبر أمر سفره إلى الأستانة حيث عمل مفتشاً للغة العربية.
وكذلك برز عدد من الشعراء في فترة المهدية, ومنهم الشيخ محمد عمر البنا الذي كان معاصراً وموازياً لما فعله محمود سامي البارودي في مصر.
ثم جاء شعراء القرن العشرين, وبينهم من ولد في القرن التاسع عشر الميلادي كمحمد سعيد العباسي وعبد الله محمد عمر البنا وعبد الله عبدالرحمن الضرير. وقد واكبوا فترة الحكم الثنائي, وعاصروا شوقي وحافظ ورصفاءهما في البلاد العربية.
وقد حافظوا ورصفاؤهم من شعراء السودان كالشيخ مدثر البوشي, وعلي نور المهندس ـ (شاعر المؤتمر) ـ وأحمد محمد صالح... إلخ, على تقاليد القصيدة العربية في نماذجها العباسية والجاهلية, ودرس هذا الشعر من النقاد العرب كعبده بدوي ومحمد النويهي وأحمد أبو سعد وعبد المجيد عابدين وإحسان عباس فوجدوا فيه شعراً عربياً رصينا, ولكن أجيالاً من السودانيين بدأت منذ فترة مبكرة تتلمس الطريق نحو التجديد والحداثة, فكانت المزاوجة بين المحافظة على التقاليد والتوق الحارق إلى الحداثة والتجديد, وأتت أولى علامات الخروج على المألوف والحديث عن شعر بلا وزن ولا قافية في كتابات الناقد الأمين علي مدني 1900 ـ 1926, والتي ضمنها كتابه (أعراس ومآتم) 1927م. ثم جاء دور الناقد حمزة الملك طمبل, الذي نشر في عام 1931م ديوان الطبيعة, ثم مقالاته النقدية في كتاب الأدب السوداني, وما يجب أن يكون عليه; وقد ظللت كتاباته الأدب السوداني بالدعوة إلى أدب قومي بملامح سودانية. وسار أبناء جيله كمحمد أحمد محجوب والمرضي محمد خير (ميمان) ويوسف مصطفى التني ومحمد عثمان محجوب وخلف الله بابكر, وعشرات الأسماء المبدعة- يزاوجون بين الدعوة إلى التجديد والمحافظة على التقليد. فمنذ الثلاثينيات نشر المحجوب قصائد حرة, وكذلك فعل بابكر أحمد موسى في أوائل الأربعينيات, وهكذا كان للسودان إسهامه في حركة التجديد العربية منذ فترة مبكرة, وهي محاولات أهملها النقاد والدارسون العرب لمعاذير شتى.
وهناك في تلك الفترة شعراء كالتجاني يوسف بشير الذي يعد علامة فارقة في تاريخ الشعر السوداني وربما العربي, فهو من الذين تأثر بهم عدد من الشعراء السودانيين والعرب (أنظر شهادة صلاح عبد الصبور حول تأثره بالشابي وإيليا أبو ماضي والتجاني يوسف بشير), فالتجاني شاعر أنجز في حياته القصيرة (1910 ـ 1937) كوناً شعرياً في ديوانه (إشراقة) وفي مقالاته النقدية. وقد لقي عنتاً وخصومة من أنصار الشعر القديم تجاوزت الحدود أحياناً.
في أربعينيات القرن الماضي ران شيءٌ من السكون على الشعر, وصار اتجاه الشعراء نحو الشعر السياسي, فقد قامت الحركة الوطنية على أكتاف الطلائع المثقفة من خريجي المدارس الذين حملوا عبء الكفاح الوطني, وانتظموا في مؤتمر الخريجين ثم توزعوا على الأحزاب السياسية التقليدية والعقائدية, وجاءت أسماء كالهادي العمرابي ومحمد المهدي المجذوب, الذي واكب الحركة الشعرية منذ أواخر الثلاثينيات حتى رحيله في عام 1982م وهو نموذج في دواوينه المطبوعة والمخطوطة لتطور الشعر السوداني, فقد خرج من مضيق التقليد إلى فضاء التجديد.
وتبقى أهمية المجذوب كامنة في عدة أمور أهمها: أنه في مقدمته لديوان (ألحان وأشجان) 1960 قدَّم رؤية وتصوراً وقراءة لمسيرة الشعر فيها شيءٌ من الجرأة والتجديد.
استطاع محمد المهدى المجذوب الجمع بين الشعر التقليدى و القصيدة المرسلة النثرية, فاصبح رائدا لمدرسة شعرية هو اهم رموزها
وهناك شعراء السودان الذين بدأوا مسيرتهم الشعرية في مصر ومنهم: ـ محيي الدين فارس, جيلي عبدالرحمن, تاج السر الحسن ومحمد الفيتوري. وكانوا من ركائز قصيدة التفعيلة والمساهمين في تثبيت ركائزها في مصر, ولهم تجربة مميزة لفتت انتباه النقاد العرب, وانتقل تأثيرهم إلى عدة أقطار عربية. وكان هناك شعراء آخرون مثل محمد محمد علي وإدريس جماع ومحمد محمد علي شاعر وناقد, له من الدواوين (ألحان وأشجان) و(ظلال شاردة) وكتاب (محاولات في النقد), وأطروحات جامعة عن الشعر السوداني في المعارك السياسية, أما إدريس جماع فقد استقر في الذاكرة السودانية بفضل دقة تصويره وعبقرية وصفه ومزجه بين الواقعية وجماليات القصيدة. وهناك شعراء كالهادي آدم, عبد الله شابو, سيف الدين الدسوقي, مهدي محمد سعيد مِمَّن شكلوا حضوراً في الساحة الثقافية وعشرات الأسماء المبدعة التي لا يمكن أن تحتويها هذه المختارات.
ثم في أوائل الستينيات برز شعراء تيار عرف بإسم (الغابة والصحراء) حاولوا تقديم إجابات عن سؤال الهوية. وقد برز في هذا التيار: النور عثمان أبكر, محمد المكي إبراهيم, محمد عبد الحي. وكان هناك شعراء كبار قد سبقوا هؤلاء منهم محمد عثمان كجراي, صلاح أحمد إبراهيم, مصطفى سند ظلت لهم أيضاً تأثيراتهم على الأجيال التالية,
وجاء جيل آخر في السبعينيات: كمال الجزولي, عالم عباس, فضيلي جماع, محمد نجيب محمد علي, محمد محيي الدين, إلياس فتح الرحمن, حاج حمد عباس, أسامة الخواض...الخ, كانت لهم إضافاتهم على تجربة رواد شعر التفعيلة, وكتب بعضهم قصيدة التدوير, وكانت قد اتضحت أمامهم آفاق جديدة للحداثة, هؤلاء الشعراء كانوا على نحو أو آخر يتقاطعون مع مجمل التجربة السودانية التي أصيبت بالإخفاق والإحباط جراء الأنظمة القهرية والقمعية التي تعاقبت على السودان, كما في أجزاء أخرى في أفريقيا والوطن العربي.
وبحث الشعراء السودانيون منذ عقود بعيدة عن خصوصية سودانية ـ منذ الثلاثينيات ـ مستفيدين من عبقرية المكان الذي تلاقت فيه ثقافات, وتجاورت فيه حضارات, وتعددت مناخان.
والآن تتحاور في السودان الأشكال الشعرية المختلفة, وآخرها قصيدة النثر التي تكتب فيها أصوات قديمة وجديدة, منذ عبد الله حلاب ومحجوب كبلو والصادق الرضي ونجلاء عثمان التوم وربيعة هارون, وأسماء كثيرة تجسد أيضاً على طريقتها ذلك ألتوق إلى الحداثة, الذي أشرنا إليه في مسيرة تتداخل مع حركة الشعر العربي ولا تنفصل عنها..






الشعر السوداني
قاموس غزير وتقنيات جمالية اكتسبها من بيئة ثرية
ملف الشعر السوداني في المكسيكالملف الذي خصصته مجلة "الحركة الشعرية" للشعر السوداني جدير بأن يثير في نفس القارئ تساؤلات يصعب عليه الجزم بجواب واحد عنها.ففي الملف ناحية تلفت النظر لا بالنسبة إلى السودان وحده بل إلى بلدان عربية أخرى وهى كثرة عدد الشعراء المغتربين عن بلدانهم إلى بلدان أخرى عربية أو غير عربية.وقد يربط القارئ في شيء من الرومانطيقية الفكرية بين الشاعر و"الغربة" وحتى الاغتراب أو قد يدفعه الأمر إلى القول بأن الغربة الفعلية قد تكون عاملا يثير الأشجان في نفس الإنسان ويحرك نفسه فيدفعها إلى الشعر.لكن تبقى مسالة مهمة "واقعية" مادية هى أوضاع البلدان العربية وظروفها المختلفة اقتصاديا وأمنيا وحقوق انسان وديمقراطية وأمور أخرى من التى "لا تسر القلب" كما يقال.صحيح أن المجلة التى تصدر فى المكسيك تهتم بقدر بارز بالشعراء المهاجرين وأن كثيرا من النتاج غير السودانى كان لشعراء عرب مغتربين أيضا.. لكن الملف أعد من داخل السودان وتناول مقيمين ومغتربين دون تشديد على فئة معينة كما يبدو.ففى العدد الأخير من مجلة "الحركة الشعرية" التى تعنى بالشعر الحديث والتى يترأس تحريرها الشاعر اللبنانى "المهجري" قيصر عفيف وهو عدد يشكل كتابا فى 137 صفحة قصائد لما لا يقل عن 44 شاعرا وكان عدد الشعراء السودانيين بينهم يزيد على نصف المجموع اى نحو 27 شاعرا.لكن ما لا يقل عن نصف عدد هؤلاء الشعراء السودانيين يعيش خارج السودان قسم منهم فى بلدان عربية أخرى وقسم آخر فى بلدان أجنبية تمتد من أوروبا إلى استراليا وكندا والولايات المتحدة.ولا بد من أن يلفت هذا نظرنا إلى عدد كبير من الشعراء والأدباء العرب الذين يعيشون فى المغتربات وبصورة خاصة العراقيين منهم مثلا.أعد الملف نصار الحاج وكتب يقول عنه "لست اسعى عبر هذه النماذج نحو التأريخ للكتابة الشعرية السودانية فهناك مراجع ومدونات كثيرة تغطى جانبا كبيرا من تاريخ وتطور وميرة الكتابة الشعرية فى السودان من القرون الماضية وحتى الراهن.."وقال "للشعر فى السودان قاموسه الغزير وتقنياته الجمالية التى اكتسبها وطورها من بيئة وتراث شعرى متعدد ومتنوع وتراكم وتنوع غزير تحفل به حياة المجتمع الثقافية. كما أن هنالك حالة تواصل ثقافى وتداخل وحراك اجتماعى ضخم فى كل بقاع السودان جعلت هذه الثقافات المتعددة بمصادرها المتنوعة وانماطها الوفيرة وايقاعاتها الزاخرة بالتعبيرات وتعدد الاصوات تخرج من حدودها التقليدية الضيقة.."ويدخلنا الكاتب دون قصد منه فى مسألة أخرى تبدو خلاصتها الضمنية أن النتاج وهو هنا أدبى ينسب إلى الأرض أى إلى البلد لا إلى اللغة فنتحدث عن الشعر السودانى بالعربية أو بلغات أهل جنوب السودان. قال "بذلت جهدا كبيرا كى أحصل على بعض نصوص لشعراء من جنوب السودان مترجمة أو حتى غير مترجمة حيث يكتب الكثيرون منهم نصوصهم باللغة الانجليزية ولغات أخرى محلية.."لكنه لم ينجح فى ذلك فإن شعرهم "ليس متداولا بشكل كاف لمعوقات عديدة منها اللغة ومنها ضعف آليات النشر ومنها الحرب الشرسة والطويلة" مع جنوب السودان "التى افرزت سلبيات عديدة تماما مثلما انتجت علامات عديدة فى الوعى بحالة الحرب وضرورة معالجة مسبباتها والوعى بأهمية التنوع الثرى فى المجتمع السوداني." واضطر إلى الاعتماد على موقع "سودان لاين" الالكترونى للحصول على قصائد لعدد من الشعراء الجنوبيين.
وإذا كانت القصائد العربية فى الملف تعكس أساليب وأنماطا تراوح بين التقليدى العربى "المجدد" وتعدد القوافى والأوزان وقصيدة النثر وسائر سمات كثير من الشعر العربى الحالى ففى نتاج بعض هؤلاء الشعراء الجنوبيين تبرز سمات منها ارتباط عميق وذوبان صاف بالطبيعة ينتقل من الحسى إلى ما يشبه الحالات الصوفية.
من اهم المراحل التى مرت بها تجربة الشعر السودانى او بالاحرى الثقافة السودانية و جدلية التمازج فى الهوية هى مدرسة الغابة و الصحراء و التى لم اجد سردا و تلخيصا اكثر فائدة مما طرحه الكاتب عبد المنعم عجب ألفيا بمجلة العربي عن جماليات الثقافة السودانية .















الغابة والصحراء.. جماليات الثقافة السودانيةنقلا عن مجلة العربي
الغابة والصحراء حول رمزية هذين العنصرين ودلالتهما على الهوية السودانية.
الذاكرة التراثية للإنسان السوداني تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية
قادت جمعية اللواء الأبيض الثورة ضد الإنجليز في 1924
أعاد المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وإدخال مظاهر الحياة السودانية في أشعاره
سألت إيزابيلا سيمور, مصطفى سعيد, بطل رواية (موسم الهجرة إلى الشمال), ما جنسك? هل أنت إفريقي أم آسيوي? فأجابها أنا مثل عطيل, عربي إفريقي. فنظرت إلى وجهه وقالت: نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور, ولكن شعرك ليس فاحمًا مثل شعر العرب.والسؤال ذاته الذي واجهه مصطفى سعيد روائيًا في لندن واجهه واقعيًا الشاعران المبدعان محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في رحلتهما إليها في الستينيات, حيث عبر النور عن حيرة الأوربي في تصنيفه بقوله (إنه يرفض هويتي الإفريقية حين أفكر, ويرفض هويتي العربية حين أكون). عبارة مشرقة ولاشك تلخص في أسلوب فلسفي رشيق ازدواجية الهوية الثقافية والاثنية للإنسان السوداني, أما محمد المكي إبراهيم, فقد جادت قريحته شعرًا لتوصيف الواقع بقوله في قصيدته الرائعة (بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت) والتي تعتبر من عيون الشعر العربي الحديث:
الله يا خلاسية..يا بعض عربيةوبعض زنجية
وهكذا فقد تنبهت الطلائع المثقفة من السودانيين باكرًا إلى الخصوصية الثقافية والاثنية للذات السودانية. وقد برز الوعي بهذه الخصوصية أكثر حدّة في الخمسينيات والستينيات مع المد الثوري لحركات التحرر الوطني ودعوات القومية العربية والاتجاهات الزنجية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. ففطن نفر من هؤلاء المثقفين إلى أن السودان يمتاز بخصوصية فريدة لا تتوافر في غيره من دول المنطقة, فهو يجمع بين الانتماء العربي والإفريقي في آن معًا. فتفتق وعيهم عن صبغة يصفون بها هذه الحال الفريدة. وحيث إن معظمهم كانوا شعراء, فقد هداهم حسّهم الشعري إلى صيغة شعرية ذات دلالة رمزية عميقة وهي صيغة (الغابة والصحراء). الغابة إشارة إلى العنصر الإفريقي, والصحراء إشارة إلى العنصر العربي. وذلك للدلالة على ذلك التمازج الثقافي والاثني.


الجغرافيا تتحدثولعل من دلائل التوفيق على حسن اختيار هذه الصيغة الرمزية أن تعبير (الغابة والصحراء) لا يتطابق فقط مع توزيع المناخ الجغرافي في السودان, بل يكاد يتطابق مع التوزيع الديمجرافي للسكان. فالمعروف أن مناخ السودان يبدأ في التدرج من مناخ صحراء في الشمال ثم يتحول إلى شبه صحراء ثم سافانا فقيرة وأخرى غنية في الأواسط إلى أن ينتهي عند الغابات المدارية في الجنوب. وبالقدر ذاته نجد السكان يتوزعون على هذا النحو إذ نجد العنصر العربي غالبا في الشمال مع بعض الاستثناءات ثم يبدأ في التقلص كلما اتجهنا جنوبًا مع بعض الاستثناءات أيضًا إلى أن ينتهي إلى غلبة العنصر الإفريقي الزنجي في الجنوب.ومثلما اهتدت تلك المجموعة إلى رمز (الغابة والصحراء) اهتدت أيضًا إلى نموذج تاريخي يجسّد هذا التمازج العربي الإفريقي على أرض الواقع فكانت سنار...وسنار هي عاصمة مملكة سنار أو سلطنة الفونج والتي عرفت أيضًا بالمملكة الزرقاء أي السوداء. فالسودانيون يستعملون الأزرق كمرادف للأسود. ومنه جاء اسم النيل الأزرق أي الأسود. وذلك لشدة اعتكار مياهه من كثرة الطمي. ويقولون رجل أزرق أسود, وكانت العرب تستعمل الأخضر في ذات المعنى, فتقول رجل أخضر أي أسمر أو أسود. وكذلك يفعل السودانيون, وهذا مثال على الخصوصية اللغوية لأهل السودان.ويرجع اختيار مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء (1504-1821م) كنموذج معادلة الهوية السودانية إلى أنها أول مملكة سودانية تكونت بتحالف القبائل العربية والقبائل الإفريقية. وقد أسقط هذا التحالف الممالك المسيحية التي كانت تحكم سودان وادي النيل, وأقام مكانها أول مملكة إسلامية عربية - إفريقية كانت النواة الحقيقية للسودان المعروف الآن.ولعل الفضل في رواج مفهوم سنار كنموذج لهذا التمازج يعود إلى الشاعر المرهف د.محمد عبدالحي الذي يعتبر أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في العالم العربي وديوانه المشهور (العودة إلى سنار) خير دليل على ذلك.وإذا كانت صيغة الغابة والصحراء قد ارتبطت في البداية بمجموعة بعينها من شعراء الستينيات هم محمد عبدالحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر, فإن هذا التوصيف للثقافة السودانية قد وجد قبولاً ورواجًا بين أغلب المثقفين والكتّاب في تلك الفترة, وتردد في أشعار الكثيرين منهم.وربما يرجع نجاح مفهوم (الأفروعربية) المطروح من خلال رمزية (الغابة والصحراء) آنذاك إلى الوعي القومي السوداني الذي أفرزته الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964م.
الهوية السودانيةوالحقيقة أن جذور الوعي بالتوصيف (الأفروعربي) للهوية السودانية ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي حيث تكوين جمعية اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924م, ضد الإنجليز وإلى دعوة رائد التجديد حمزة الملك طمبل في كتابه (الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه) الذي صدر سنة 1928م حيث ناشد شعراء مدرسة الأحياء الشعري السوداني من أمثال محمد سعيد العباسي عدم الاكتفاء بتقليد الشعراء العرب القدامى, والالتفات إلى البيئة السودانية المحلية وتصويرها في أشعارهم. وتأسيًا بأفكار حمزة الملك واصلت جماعة مجلة (الفجر) في الثلاثينيات, ومن أبرزهم معاوية نور وعرفات محمد عبدالله ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الأسبق الدعوة إلى أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والإفريقي. في هذا السياق كتب المحجوب بمجلة الفجر الصادرة في 16/6/1935م يقول (نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية, فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبّر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم, ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له).وفي الخمسينيات أعاد الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وعمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره, وأدخل إنسان الجنوب لأول مرة إلى معادلة الثقافة السودانية في قصائده التي عرفت بالجنوبيات:وقد عبر المجذوب في هذه القصائد عن إنسان جنوب السودان, وأعلن صراحة عن العرق الزنجي الذي فيه وهو الذي ينتمي إلى أرومة شمالية تعد نفسها أكثر عرب السودان عروبة حيث يقول في إحدى هذه القصائد:وعندي من الزنج أعراق معاندة وإن تشدق في أشعاري العربومن شعراء الحداثة الذين سبقوا شعراء (الغابة والصحراء) إلى الالتفات إلى الجانب الإفريقي في وجدانهم الفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبدالرحمن ومحمد عثمان كجراي. فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بافريقيا وأمجادها فكتب (عاشق من إفريقيا) و(أغنيات إفريقيا) و(اذكريني يا إفريقيالم يكن الشعراء هم الوحيدين السابقين إلى إقرار النظرة الأفروعربية للثقافة السودانية. فكان هناك العديد من الكتّاب والأدباء والمؤرخين الذين انطلقوا في كتاباتهم من هذه النظرة ومن أبرزهم جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير ويوسف فضل ومحمد إبراهيم سليم وحامد حريز ويوسف عيدابي وغيرهم كثر.
وجدان إفريقياوكان المفكر والأديب الفذ جمال محمد أحمد يعمل في صمت العلماء بعيدًا عن أي نزعات شوفينية في التعريف بالأدب والثقافة الإفريقية, وفي كشف العلاقات التاريخية والاثنية بين العرب والأفارقة منذ القدم. فكتب (وجدان إفريقيا) وهو كتاب عن الأديان في إفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الإفريقية المحلية و(سالي فو حمو) وهو في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الإفريقية. وكتب (عرب وأفارقة) و(في المسرحية الإفريقية) و(مطالعات في الشئون الإفريقية) الذي صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م, وترجم عن بازل ديفيدسون (إفريقيا تحت أضواء جديدة) وغيرها من المؤلفات والترجمات.وكان لموقف جمال محمد أحمد المتوازن من الأصول العربية والإفريقية للثقافة السودانية التأثير في جيل كامل هو جيل الستينيات الذي ينظر إلى جمال نظرة الأستاذ المعلم. فعضوية جمال في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تمنعه من رد الاعتبار للثقافة الإفريقية والتعريف بها. وبتأثير من جمال ألف صديقه الأديب والقاص علي المك (نماذج من الأدب الزنجي الأمريكي) وترجم مع صلاح أحمد إبراهيم كتاب (الأرض الآثمة) لباتريك فان رنزبيرج. كما أصدر محمد عبدالحي كتاب (أقنعة القبيلة) في الشعر الإفريقي الحديث.وعلى الرغم من بداهة التوصيف الذي تطرحه صيغة (الغابة والصحراء), وعلى الرغم من أن القول بأن السودان بلد عربي إفريقي ثقافيًا وعرقيًا هو من المسلمات التي لا يمكن المجادلة حولها. فإن أصحاب هذا الاتجاه قد تعرضوا لحملات من النقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التشويه المتعمّد والاستنتاجات الخاطئة لآرائهم من بعض ذوي النزعات الأيديولوجية والشوفينية. فالإسلاميون رأوا في صيغة (الغابة والصحراء) دسيسة علمانية للحد من دور الإسلام في المجتمع السوداني. وبعض القوميين العرب رأوا فيها محاولة لتحجيم انتماء السودان للعروبة والإسلام.أما بعض أهل اليسار فرأوا في نموذج (مملكة سنار) الذي تطرحه (الغابة والصحراء) كمثال للتعايش السلمي والتعددية الثقافية, استمرارًا لتكريس هيمنة الثقافة العربية الإسلامية على الثقافات الأخرى. وربما رأوا فيها ثغرة تعطي المجال لبروز مشروع الدولة الدينية.لذلك عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى إنشاء تجمع مناوئ من المبدعين باسم (آباداماك) في أواخر الستينيات. وقد أخذ هذا التجمع اسمه من أحد آلهة مملكة مروي النوبية القديمة وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا لأهل (الغابة والصحراء) إذا كنتم ستعودون بنا إلى (سنار) فنحن سنعود بكم إلى أبعد من سنار, إلى مروي أقدم حضارة سودانية إفريقية. إلا أن توجهات ذلك التجمع لم تخرج في مجملها عن مقولات وأطروحات (الغابة والصحراء). فلم يجد أصحاب هذا الاتجاه في النهاية بدا من الذوبان في التيار (الأفروعربي) الكاسح الذي تفرضه معطيات الواقع المتشابكة أكثر مما تفعل الشعارات والأيديولوجيات.وللحقيقة والتاريخ أن شعراء (الغابة والصحراء) ليسوا جماعة تربطهم رابطة أدبية أو يجمع بينهم أي تنظيم أو حزب سياسي, ولم يصدروا حتى بيانا مشتركا يعلنون فيه توجههم, وإنما هم نفر من المبدعين التقت أفكارهم في غير ما اتفاق حول رمزية الغابة والصحراء للدلالة على خصوصية الهوية السودانية.وهذا ما جعل عبدا لحي ينفي أن تكون هناك مدرسة شعرية باسم الغابة والصحراء في حوار معه أجري سنة 1984م ظنه البعض تراجعا عن فكرة الغابة والصحراء, يقول عبدالحي (إن مدرسة الغابة والصحراء, أمر مضحك, فإذا كان هنالك بعض الشعراء والمتشاعرين كتبوا قصائد محشوة بالغابة والصحراء دون أن يكتبوا شعرًا رصينًا لا توجد مدرسة أو منهج لكل الناس, الشعر هو الشعر), فالغابة والصحراء, بالنسبة له مفهوم وليست مدرسة شعرية. وهذا المفهوم عنده ليس حصرًا على السودان وحده كما يقول في الحوار ذاته, بل (يمتد إلى الصومال وأريتريا وشمالي إثيوبيا وشمالي نيجيريا ومالي وغانا والسنغال...إلخ, إنه شعب يكتب باللغة العربية ويدين بالدين الإسلامي, وهم داكنو الجلد امتزجوا بثقافتين, الثقافة العربية والثقافة الإسلامية...الثقافة هي الأساس وليس بالتوالد).وعندما نادى دعاة الأفروعربية بالعودة إلى (سنار) كرمز للتعبير عن واقع حال الهوية السودانية, لم يقصدوا بذلك العودة إلى نموذج الدولة الدينية الذي كان مطبقًا في مملكة سنار, كما لم يقصدوا تجاهل الحضارات والممالك السودانية السابقة على سنار. وإنما هدفوا ببساطة إلى تقديم نموذج من تاريخ السودان يرمز ويعبّر عن التعايش والتمازج السلمي بين الثقافات السودانية المختلفة. وقد رأوا في سنار الخلاصة التي تلتقي عندها كل حضارات السودان القديمة والمعاصرة. والعودة إليها هي بالضرورة عودة إلى مروي وكرمة النوبية وعلوة والمقرة المسيحية. ففي ديوانه (العودة إلى سنار) يستلهم محمد عبدالحي الكثير من الرموز والأساطير من الحضارات النوبية القديمة. وفي ديوانه (السمندل يغني) توجد قصيدة بعنوان (مروي) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة, وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم (سنار) في إشارة إلى مملكة سنار, أكثر من ذلك أن محمد عبدالحي في دراسته القيمة عن أسطورة (الشيخ إسماعيل صاحب الربابة) وهو أحد متصوفة مملكة سنار يذهب أبعد من ذلك ويحاول إيجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وسائر الثقافات والحضارات القديمة بما في ذلك التأثر بالتراث اليوناني القديم, حيث يرى أن الشيخ إسماعيل هو في الحقيقة أورفيوس سوداني.ويخلص إلى أن سيرة ذلك الشيخ الصوفي تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية.لكن يبدو أن البعض يأبى إلا أن ينظر إلى الواقع بعين واحدة, فيرى الأشياء إما بيضاء وإما سوداء, ويعجز أن يرى الرؤية الرمادية التي تفسح في المجال للنظرة التعددية المتسامحة.وفي سبيل البحث عن صيغة أكثر شمولية لاستيعاب الكل المركب الذي تموج به الساحة السودانية الثقافية, أوجد نفر من المثقفين في الثمانينيات صيغة جديدة هي (السودانوية), وهي لا تختلف في طروحاتها وفي نظرتها عن (الغابة والصحراء), إلا أنها رأت في هذه الصيغة الجديدة خروجًا عن ثنائية (الأفروعربية), ومن أبرز دعاة (السودانوية) الشاعر كمال الجزولي والدكتور نور الدين ساتي والفنان التشكيلي البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين.ومع ذلك, هنالك مَن لا يتحمّس لكل هذه الصيغ والنظم الجمالية ويفضل الاكتفاء باسم السودان للدلالة على الحال الثقافية التي يمثلها, ومن هؤلاء د. حيدر إبراهيم علي وغيره كثّر.ومهما كانت الصيغ المطروحة, ومهما تبدلت الشعارات والمواقف ستظل (الغابة والصحراء) هي الناظم الجمالي الأكثر جاذبية وشاعرية في التعبير عن واقع الهوية السودانية. فالصحراء موجودة والغابة موجودة وما بينهما السافانا كذلك. وهل الحرب الدائرة الآن إلا نتيجة اختلال في المعادلة بين (الغابة والصحراء؟بقلم: النور عثمان أبكركل ما هو غيبي وعميق في السودان إنما هو عطاء الغاب.. تجريدية الفكر الإسلامي إستحالت إلى ليونة المدنية البدائية التي تأخذ فكرها عن حاجتها المباشرة.. الخيط الأساسي في وجودنا ليس هو الصوفية الشرقية، بل هو الحركة الرخيمة لرقصات الغاب، الطبل، البوق..أرقب جوقة دراويش أو حلقة ذكر أو زار: النغمة والحركة نبضة طبل وردُّ فعل القدم والصدر واليدين والوسط والعنق.. الحالة، النوبة، الأخيرة للإنفعال والتقمص ليست دينية بمفهوم إسلامي، بل بمفهوم بدائي، إفريقي..الألوان الرئيسية في عمرنا هي الألوان الأولية بصراخها الشمس، هي أيضاً إرث الغاب. إيقاع عمرنا سماحة وتبذيراً وخمراً واستهتاراً وحباً للهو والمرح.. إيقاع بنض عمرنا إفريقي، بدائي. أما الأمور التي تعد له فهي ما يحتاجه هذا الإيقاع ليعبر هوة الاتصال بينه وبين (جلابته).. التردد في المسائل الإفريقية العربية هو التردد حقيقة في انطلاق جرس هذا الإيقاع بعيداً عن جذوره ومصادر إلهامه الأصيلة.نزاع الغاب والصحراء في عمرنا هو لونية هذه السماحة في علاقاتنا مع (إخواننا) العرب و(إخواننا) الزنج. في بيت كل عائلة سودانية كبيرة في أم درمان أو الداخلة أو مدني، خالة، جدة، خال، جد يفرش أرضية سوداء وخشنة لقمح اللون وليونة الخدود وخيلاء الأنف. مستورة أو غبيئة أو مرجان أو بخيت أو خادم الله. وبطبع التستر في عائلات البلد، تبقى أو يبقى ذكراً منسياً.في قاعة الجامعة العربية يلهج الابن بعروبته، وفي كوناكري يُصرُّ على إفريقيته، مثلما لا يستطيع أن يؤدي فريضة الصلاة كاملة اللفظ والحركة.. هذه المستورة تخرج لدق الريحة وأغنيات السيرة والحِنَّة (بالشتم) والغصن الأخضر – نخلاً أو موزاً، لا يهم، الخضرة هي اللون المهم، والنبض، الإيقاع هو إيقاعها، إيقاع الرعب والفرح، إيقاع الرب والمجهول اليومي والميتافيزيقي.مستورة هي الرحم الذي صَدَرتْ عنه المشكلة التي تبقيها في أقصى الدار.. مستورة زرعت غاباً في الصحراء.. مستورة عرشت كوخاً عِوَض الخيمة. قد تكون هذه (المستورة) هي المجلوبة. الخروج من الغاب إلى الصحراء والوادي المحدد بها تم عن طريق الجلابة أو المارق الذي في بطن ذاكرته أفراح لم ينعم بها، عاد يسترق منها (مقاطع) يبيعها إن لم يحتفظ بها.. أبولكيلك وأيامه مرقة من الغاب وعودة إلى الغاب.. الفور أيضاً.. السنغال والفلاتة الحمر.وقد تكون مستورة – خاصة في الفترة الخصبة التي بنت أم درمان وعمرت الجزيرة – محارِبة لِصْق زوجها.. هنا جدتي نورة وزوجها بخيت.. يتم التقاء ببخيت آخر ومرجانة، ويكون المارق (نورا).. كيف له أذن أن يدّعي أنه عربي؟ باللسان؟ عربيته تطويع لاحتياجات إيقاع الرعب والفرح الوجودي الأوليين في التعبير بعد أن فقدا شكل كلمة القبيلة. إذن - مثل الجزائري الناطق بالفرنسية – سيكون الصدور عن الغاب، عن الأوراس، عبر لفظة مكتسبة (الكاتب لا يضمر أي تلميح لاستعمار عربي لأرض الزنج). الثقافة الوجودية الأعمق للمارق الجديد هي عطاء إيقاع الرعب والفرح الميتافيزيقيين لنبض الغاب فصلاً ونهراً.ولكن كل وعاء يعدل شكل وكمية بوالتالي الكيفية الأخيرة لما يحتويه، ولكنه لا يغير الطبع الأول للمادة الأولى، ولا يلغي الأصالة الأولى وصيرورتها لأصالة جديدة أخيرة، طوعاً. إبن بخيت ومرجانة لسان طيِّع للغة ساكنة النهاية في كلماتها، تطوع بدوره لغة متصرفة المقاطع الأخيرة لمقاطع نبضه. لاحظ السكون والوقف ومخارج الحروف في (عربية السودان).هل صدق الخليل فرح إذن حين سمى دار عزة (جنة بلال)؟.. الإنسان الذي يسكن ويعمر دار عزة هو إنسان دار عزة، هو (سوداني).. دمغة السواد هذه هي جبلته، طينته، تاريخيته، مصيره من هنا يبقى ممكناً تعديل دروب فعاليتها تعديل مناحي صيرورتها، لا إفغاؤها، لأن إلغاءها صعب..السودان هو قلب السودان: أم درمان والمدن الجديدة والأحياء الشعبية في كل المدن.. هنا تم عبر مستورة المجلوبة ومستورة الزاحفة ثورة عميقة ضد الاستبداد الخارجي.. هنا تم لقاح الصحراء والغاب الحميم.شمال السودان - أرض النوبة – كان من قديم الأعصر لقاح الوادي، إجتماع المنبع بالمصب. الفن الفرعوني بمصر العليا هو استلهام لأعالي النيل على الدوام. هو فن إحترق بالشمس المحراقة في قلب القارة حيث ينبع النيل فيحرق كبد الصحراء ويطعمه العافية الخضراء والظلال.إذن الزنجي الذي جمح به القارب حتى ابتنى لنفسه هرماً وشاد صرحاً جميلاً ألوانه عاج ومرجان، نوبيُّ شمال السودان، عشبة أزهرت بعيداً عن الغاب متصلة الرحم بالغاب عبر النهر والقادمين الجدد.أم هو الجموح الأول الذي اصرَّ على معرفة نقطة انتهاء جريان كل هذا الماء؟ إلى مغارة النهر؟ إلى بحر الأزل؟ إلى الرب الأجدر بالعبادة؟. كيف تتم غيبوبة الرؤية والصحو في الغاب؟ الإيقاع لاستئثاره دفقة دموية أكثر وفرة وتلقيحاً للفعالية التي يمنحها الجسد في دورة فعاليته اليومية العادية.. ثم الحركة العضلية الجامحة لتخدير التصاق معدن التراب بأرضية التراب للتحليق إلى أجواء جديدة. ثم المنبه المخدر: الخمر أو العرق المخدر المنبه والبداية بألفاظ شحنتها من المعاني يومية عادية حتى بلوغ لحظة التشوش في المعاني والصدور عن فوضى اللاوعي ثم الولوج بعيداً عن دائرة نطاق فعالية وإسار الوعي واللاوعي، إلى مرتقىً جديد هو الصحو في الأبد الميتافيزيقي، في اللحظة الآنية الحقة، لحظة الصورة واللون والمعنى، الخلق والخالق، لحظة الجماع، الكشف.لندخل حلقة ذكر إذن.. هنا أيضاً نفس الإيقاع، حتى (الدقة) هي (الدقة) الزنجية للطبل، وحركة اليد والذراع في حالة الشتم والمزهر هي زنجية، ودقة (النحاس) أيضاً – مع فكرة التجمع والإثارة – بالطبل – بدائية زنجية.. نفس الرتابة في دائرة الحركة، في الإهتزاز وإن كان أبطأ قليلاً هنا.. ويتم إيقاظ الصحو بمقاطع ثابتة (الله قيوم.. الله قيوم.. الله قيوم) (إرتباط القيام هنا يضمر إرتباطاً بالمسيحية!).. كما يستخدم المخدر.. البسطاء يسكرون ثم ينزلون المولد.. الشاي بالقرفة والنعناع لأهل الوقار.. (هل تلاحظ غبطة أبناء النوبة حين يصادفهم مولد أو حلقة ذكر)؟في حلقات الزار يدوي الطبل.. مصدر الإيقاع والتلاشي في المجهول هو الطبل في عمرنا.. هذا الخواء العاري.. هذا العدم المعطى.. لاختراق دائرة المالوف والاتحاد بالمجهول والنبع لابد من تحطيم مجموعة من المحظورات – التابو – شرب الخمر، شرب الدم، الرقص على قدم حاف، التشبه بالجنس الآخر حتى الأماني معادنها براقة.. ذهب وبرق، الجذوة.. الجمرة الأولى، الصحو، لنهار في ليل الغاب الذهني لابد من مثير، وهو الجوهر الفريد، المعدن العدني البرَّاق هنا..لاحظ أن التقاليد والعرف في السودان المسلم لا تسمح (بالذكر) للنساء. فإن وجد الرجل حلقة الرقص البدائية في الذكر فإن رهينة الجدران قد أوجدت لنفسها فرصة (الكجور) في حلبة الزار. رقصة العروس والنقة والرسن بركة آسنة الطين لا يمكن العوم فيها، إذن تحطيم تابو بتابو آخر عريق.ما من بينة تاريخية تلغي دخول العرب أرض هذه الخلفية الزنجية التي استكشفتها قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم. ما من بينة تاريخية تلغي دور التعاليم الإسلامية البسيطة في شكلها الصوفي الزاهد غير الأكاديمي في إثراء ليل الفكر والوجدان الغيبي في أرض الزنج، لكن معارك الكفاح المشترك وإذكاء الوعي الثوري التقدمي الحضاري هي الكفيلة بتأمين حصاد أوفر من لقاح الغاب والصحراء.- نُشرت هذه المقالة بـ (الصحافة – الثلاثاء 19/9/ 1967م).
التجانى يوسف بشير حياته و اعماله
أحمد التجاني بن يوسف بن بشير بن الإمام جزري الكتيابي، الشاعر السودانى المعروف ولد في بيئه ذات فضل وثقافة دينية بحتة، بيئة محافظة، ذات تعاليم وتقاليد، وكان مولده في
أم درمان عام 1910 م. ولقب بالتجاني تيمناً بصاحب الطريقة المعروفة، وهذا الطابع الديني ظاهر في شعره الصوفي. التحق فى صغره بخلوة عمه الشيخ محمد الكتيابي، فحفظ القرآن الكريم ومشى في طريقه المرسوم إلى المعهد العلمي في أم درمان فلم ينتقل من الجو الذي عاش فيه وانما ارتقى من درجة إلى درجة، وألم في المعهد بعلوم اللغة العربية والفقه وابتدأ يقرض الشعر بين أنداد له أفذاذ. وخرج من المعهد و اهتم بالصحافة ثم اعتكف في منزله وأكب على دراسات عنيفة انحصر جلها في استيعاب كتب الأدب القديم، أو كتب الصوفية والفلسفة، وقد شغلته هذه الدراسات عن نفسه، فدب إليه الوهن إذ أصيب بداء الصدر وظل يعاني المرض والفقر والقهر الاجتماعي والسياسي، وظل يعاني حتى مات.. مخلفاً هذا الإنتاج الباهر الخالد..ودائما ما تجرى المقارنة بينه وبين الشاعر التونسي المعروف أبو القاسم ألشابي حيث إنهما عاشا في نفس الفترة تقريبا وتشابهت تجربتهما لحد بعيد. يذكر أنه لم يكمل دراسته في المعهد العلمي بعد فصله لأسباب سياسية عمل في الصحافة وفي شركة شل للبترول صدر له ديوان واحد بعنوان : ((إشراقة))من أشهر قصائده الصوفي المعذب.
من مواليد امدرمان1912 وتوفي 1937 عن عمر يناهز الخامسة والعشرين
تم فصله من
المعهد العلمى بسبب ما قاله في وصف شعر امير الشعراء شوقى (حيث شبه شعره ببعض الدلالات القرانيه) فاثار حفيظه مدير المعهد الذي فصله وأقصاه فعمل بائعا في محطه بنزين بعد أن انسدت أبواب مصر بوجهه فما تمكن من مواصلة تعليمه فانكب على دراسة كتب الادب مجهدا نفسه حتى اعتلت صحته
تثم يصيبه المرض العضال فيرزح الشاعر تحت وطأة الالام النفسيه والجسديه والروحيه والتي ظهرت في شكل شيء من
الوسواس القهرى في قصيدته (يؤلمنى شكى) ثم يصف حالته المرضيه في اخر قصيده كتبها وهو يصارع الموت(إلى صديقه محمود انيس بعنوان فأحتفظها للذكرى توفي عن عمر 25 عاماً فقط (عام 1937 م) فهو قد مات شاباً وكتب شعره الرائع هذا وهو صغير مقارنة بالمبدعين الذين خاضوا التجارب عشرات السنين.. وكان بحق (فلتةً) وسنذكر نموذجاً من شعره للدلالة على تميزه الذي لا يجارى.. وهو خال الشاعر السوداني المشهور عبد القادر الكتيابي.ويؤكد الشاعر العراقي \فالح الحجية في كتابه شعراء النهضة العربية (التجانى يوسف بشير يمتاز بروعة شعره وقوته ومتنانته وجزالته فانه برغم قصر سنى عمره التي ما تجاوزت الخمس والعشرين سنة أضاف إلى التراث الادبى السودانى والعربى ديوانا رائعا اسماه (إشراقه) تسمت الكثير من بنات السودان في حينه يضم قصائد روعة في الإنشاد والبلاغة والخيال)
قال في رائعته المبدعة (المعهد العلمي) - وهو المعهد الذي درس به، وتعرض لخلافات أدت لفصله منه بعد اتهامه
بالكفر والزندقة، يقول :
السحر فيكَ وَفيكَ مِـن أَسبابـه دَعـةُ ألمدل بِعَبقـري شَبابـه
يا مَعهدي وَمَحط عَهد صِباي من دارٍ تَطرّقُ عَـن شَبـاب نابـهِ
واليَوم يَدفَعُني الحَنيـن فانثنى وَلهان مُضطَرِبـا إِلـى أَعتابِـهِ
سَبق الهَوى عَينيّ في مِضمـاره وَجَرى وَأَجفَل خاطِري مِن بابهِ
وَدَّعت غَضّ صِباي تَحتَ ظِلاله وَدَفنت بيض سني في مِحرابـهِ
نَضّرت فَجر سنـي مِـن أَندائِـهِ وَاشتَرت ملء يَديّ مِن أَعنابِـهِ
هُوَ مَعهَدي وَلَئن حَفظت صَنيعه فأَنا ابن سرحته الذي غَنـى بِـهِ
فَأَعيذ ناشئة التُقى أَن يرجفوا بِفَتى يَمتّ إِلَيـهِ فـي أحسابـهِ
ما زِلت أَكبَر في الشَباب وَأَغتَدي وَأَروح بَينَ بخٍ وَيا مَرحى بِـهِ
حَتّى رُميت وَلَستُ أَول كَوكَـب نَفِس الزَمان عَلَيهِ فَضل شِهابـه
قالوا وَأرجفت النُفوس أوجفت هَلَعاً وَهاجَ وَماجَ قُسـور غابـهِ
كفر ابن يوسف مِن شَقي وَاعتَدى وَبَغى وَلَسـتُ بِعابـئ أَو آبـه
قالو احرقُوه بل اصلبوه بل انسفوا للريح ناجس عظمه وإهابة
وَلَو أن فَوق المَوت مِن مُتلمـس لِلمَرء مُـدّ إِلَـيّ مِـن أَسبابـه












التجانى يوسف بشير
في محراب النيلأنت يا نيل يا سليل الفراديس نبيل.. موفق.. في مسابكملء أوفاض الجلال فمرحى .. بالجلال المفيض من أنسابكحضنتك الأملاك في جنة الخلد ورفّت على وضئ عبابكوأمدّت عليك أجنحة خضرا وأضفت ثيابها فى رحابكفتحدرت في الزمان وأفرغت .. على الشرق جنة من رضابكبين أحضانك الأعراض وفى .. كفيك تاريخه وتحت ثيابكمخرتك القرون تشمّر عن ساق .. بعيد الخطى قوى السنابكيتوثبن في الضفاف خفافا .. ثم يركضن في ممر شعابكعجب أنت صاعدا في مراقيك .. لعمري أو ساقطا في أنصابكمجتلى قوّة ومسرح أفكار .. ومجلي عجيبة كل ما بككم نبيل بمجد ماضيك مأخوذ .. وكم ساجد على أعتابكسجّدا ذاهلين لا روعة التاج .. ولا زهو إمرة خلف بابكأيها النيل في القلوب سلام .. الخلد وقف على نضير شبابكأنت مسلك الدماء وفى .. الأنفاس تجرى مدويا في انسيابكإن نسبنا إليك في عزة الواثق .. راضين وفرة من نصابكأو عبدنا فيك الجلال فلم .. نقض حق الزياد في محرابك












مدينة كالزهرة
شعر / التجانى يوسف بشير

مدينةٌ كالزهرةِ المؤنقة تنفح بالطيب على قطْرها ضفافُها السحريّة المورق يخفق قلبُ النيلِ في صدرها تحسبها أغنيةً مطرقه نَغّمها الحسنُ على نهرها مبهمةٌ ألحانُها مُطلقَه نغّمها الصيدحُ من طيرها وشمسُها الخمريّة المشرقة تُفرغ كأسَ الضوءِ في بدرها **** أحنى عليها الغُصُنُ الفارهُ وظلّها العنقودُ من حادرِ وهام فيها القمرُ الرافهُ يعزف من حينٍ إلى آخر قصيدةً ألهمها الإلهُ يراعةَ الفنّانِ والشاعر **** مدينةُ السحرِ مَراحُ العجبْ ومغتدي أعينِه الساحرة تنام فيها حُجُراتُ الذهبْ على رياضٍ نَضْرةٍ زاهرة أضاءها الفجرُ فلمّا غربْ أضاءها بالأنفس الناضرة وحفّها الحسنُ بما قد وهب وزانها الحبُّ بما صوّره يا لَلغرير الحلوِ من ذا أحبْ ؟ ويا لَذاك الظبيِ مَنْ ساوره ؟! **** أحنى عليها الغصنُ الفارِهُ وظلّها العنقودُ من حادرِ وهام فيها القمرُ الرافهُ يعزف من حينٍ إلى آخر قصيدةً ألهمها الإلهُ يراعةَ الفنّانِ والشاعر **** ماج بها الشامُ ولبنانُهُ والمدنُ الرائحة الغادية طَوّقها بالحبّ غلمانُهُ وغِيدُه اللاعبةُ اللاهية أضفى عليها الحُبَّ من أفنانِه وزانها بالأعين الزاهية وفاض باللوعة فتيانُهُ على الضفاف الحُرّةِ العالية فيا لَذيّاك.. وما شانهُ يعانق الجنّةَ في غانيه ؟! **** مدينةٌ وقّعها العازفُ على رخيم الجَرْسِ من مِزْهرِهْ ذوّبَ فيها الوامضُ الخاطفُ سبائكَ الفِضّةِ من عُنصره وجادها المرهمُ والواكف بالكوثر الفيّاض من أنهره وهام فيه القمرُ الرافه يعزف من حين إلى آخرِ قصيدةً ألهمها الإلهُ يراعةَ الفنّانِ والشاعر











في ربيع الحب
الشاعر ادريس جماع
فى ربيع الحب كنا نتساقى ونغنىنتناجى ونناجى الطير من غصن لغصنثم ضاع الأمس منىوانطوى بالقلب حسرة اننا طيفان فى حلم سماوى سريناواعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتويناانه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا كانت الجنة مأوانا فضاعت من يديناثم ضاع الامس منىوانطوى بالقلب حسرة أطلقت روحى من الأشجان ما كان سجيناأنا ذوبت فؤادى لك لحنا وأنينافارحم العود اذا غنوا به لحنا حزيناثم ضاع الامس منىوانطوى بالقلب حسرة ليس لى غير إبتساماتك من زاد وخمربسمة منك تشع النور فى ظلمات دهرىوتعيد الماء والأزهار فى صحراء عمرىثم ضاع الامس منىوانطوى بالقلب حسرة











ايضا ً ومن اروع قصائد ادريس جماع قصيدة رحلة النيلالنيل من نشوة الصهباء سلسله وساكنو النيل سمار وندمانوخفقة الموج أشجان تجاوبها من القلوب التفاتات وأشجانكل الحياة ربيع مشرق نضر في جانبيه وكل العمر ريعانتمشي الاصائل في واديه حالمة يحفها موكب بالعطر ريانوللخمائل شدو في جوانبه له صدي في رحاب النفس رنانإذا العنادل حيا النيل صادحها والليل ساج فصمت الليل آذانحتي إذا ابتسم الفجر النضير لها وباكرته أهازيج وألحانتحدر النور من آفاقه طرباً واستقبلته الروابي وهو نشوانتدافع النيل من علياء ربوته يحدو ركاب الليالي وهو عجلانما مل طول السري يوما وقد دفنت علي المدارج أزمان وأزمانينساب من روضة عذراء ضاحكة في كل مغني بها للسحر إيوانحيث الطبيعة في شرخ الصبا ولها من المفاتن أتراب وأقرانوشاحها الشفق الزاهي وملعبها سهل نضير وآكام وقيعانورب واد كساه النور ليس له غير الأوابد سمّار وجيرانورب سهل من الماء استقر به من وافد الطير أسراب ووحدانتري الكواكب في زرقاء صفحته ليلا إذا انطبقت للزهر اجفانوفي حمي جبل الرجاف مختلب للناظرين وللأهوال ميداناذا صحا الجبل المرهوب ريع له قلب الثري وبدت للذعر ألوان فالوحش ما بين مذهول يصفده يأس وآخر يعدو وهو حيرانماذا دها جبل الرجاف فاصطرعت في جوفه حرق وارتج صوانهل ثار حين رأي قيداً يكبله علي الثري فتمشت فيه نيرانوالنيل مندفع كاللحن أرسله من المزامير إحساس وجدانحتي إذا أبصر الخرطوم مونقة وخالجته اهتزازات وأشجانوردد الموج في الشطين اغنية فيها اصطفاق وآهات وحرمانوعربد الازرق الدفاق وامتزجا روحاً كما مزج الصهباء نشوانوظل يضرب في الصحراء منسرباً وحوله من سكون الرمل طوفانسار علي البيد لم يأبه لوحشتها وقد ثوت تحت ستر الليل اكوان والغيم مد علي الآفاق أجنحة ونام في الشط أحقاف وغدرانوالليل في وحشة الصحراء صومعة مهيبة وتلال البيد رهبانإذا الجنادل قامت دون مسربه أرغي وأزبد فيها وهو غضبانونشر الهول في الآفاق محتدماً جمّ الهياج كأن الماء بركانوحوّل الصخر ذرّاً في مساربه فبات وهو علي الشطين كثبانعزيمة النيل تفني الصخر فورتها فكيف ان مسه بالضيم انسانوانساب يحلم في واد يظلله نخل تهدل في الشطين فينانبادي المهابة شماخ بمفرقه كأنما هو للعلياء عنوان
وحشة الليلإدريس جماع
ماله أيقظ الشجون فقاســــت *** وحشة الليل واستثار الخيالاماله في مواكب الليل يمشى *** ويناجى أشباحه والظـــــلالاهين تسخفه بسمة الطفل *** قــــوي يصـــــارع الاجــــــيالاحاسر الرأس عند كل جـمال ***مستشف من كل شئ جمالاماجن حطم القيود وصوفي *** قضى العمر نشــــــوة وابتهالاخلقت طينة الأسى وغشتها *** نار وجد فأصبحت صـــلصـــالاثم صاح القضاء كوني فكــانت *** طينة البؤس شاعراً مثــــــالايتغنى مع الريــــــــاح اذاغنت *** فيشجى خميلة والتـــــلالاصاغ من كل ربوة منبراً يسكب*** في سمعه الشجون الطـوالاهو طفل شاد الرمال قصــــورا *** هي آمـــاله ودك الـرمــــــالاكالعود ينفح العطـــــــر للناس *** ويفنـــــى تحــرقاً واشــــتعالا














غيرة
الشاعر السوداني / إدريس جماع أعلى الجمال تغار منّاماذا عليك إذا نـــظرنا هي نظرة تنسي الوقاروتسعد الروح المعنّى دنياي أنت وفرحتيومنى الفؤاد إذا تمنّى أنت السماء بدت لناواستعصمت بالبعد عنّا هلا رحمت متيماًعصفت به الأشواق وهنّا وهفت به الذكريوطاف مع الدُجى مغنى فمغنى هزته منك محاسنغنّى بها لما تغنّى آنست فيك قداسةولمست فيك إشراقا وفنّا ونظرت في عينيكآفاقاً وأسراراً ومعنى وسمعت سحرياً يذوبصداه في الأسماع لحنا نلت السعادة في ألهويورشفتها دنّاً فدنّا











هذه الأبيات للشاعر المرهف الذي قال يوما:السيف في غمده لا تخشى بواتره وسيف لحظك في الحالين بتار للشاعر إدريس جماع ماذا أري أبدت ديارك أم بدا أمل النفوس على ذراك مشيدا ؟تم اللقاء ونلت ما أصبو له وغدوت افرح ما أكون واسعدا أما الديار فقد ملكن مشاعري ورأيت فيهن الجلال مشيدا لله أياما كأن عهـودها زهر تمدد في جوانبه الندى أبقت لنا ذكرى نشاهدها رؤى في موكب الماضي ونسمعها صدى أيام كنت أعيش في ربوعها حر الفؤاد ولا أعيش مقيدا يا قبلة الوطن العزيز ومعهدي هل كنت إلا للهداية معهدا بالمجد فزت وأنت في شرخ الصبا بشراك بالمستقبل الزاهي غدا بالفخر والشرف الذي أحرزته قام الجميع مهنئا وممجدا يا مرحبا بالمهرجان فانه يوم سيبقي في النفوس مخلدا سارت به الركبان في طرقاتها وانساب لحنا في الشفاه مرددامستلهما همم الرجال وعزمهم حتى أقام الوافدين واقعدا يا معهدا علم الجهاد بكفه اليمنى وباليسرى مصابيح الهدى كنز البلاد هنا أبناؤها والعاملون غدا إذا حق ألغدا أكبادها تمشي على وجه الثرى جاءت إليك بهم لترجعهم غدا خفت إليك وفوضت إليك أمرهم لما رأت فيك الحكيم المر شدا أبناؤك الغر الكرام شهرتهم في وجه عادية الزمان مهندا جاءت تحييك الوفود فحيهم مدت إليك يدا فمد لها يدا جائتك من طول البلاد وعرضها وسعت لأرضك عندما روى الندى فانظر لعيدك كيف قرب بيننا عدنا إليك وعاد فيك المنتدى لسنا جنودك وحدنا كل الذي شد الرحال إليك صار مجندا ما كنت موقوفا علينا وحدنا فالنيل أنت وكلنا يشكو الصدى





الشاعر / حسن عوض أبو العلا
من مواليد 1922 تخرج في كلية فيكتوريا بالا سكندريه وكان من الطلاب المبرزين في تلك المرحلة (وهى تُعادل الثانوية في ذلك الوقت )وهى أواخر الأربعينيات أيام الحرب العالمية الثانية كان في انتظار ظهور نتيجة الامتحانات النهائية لمواصلة دراسته بمصر أو إنجلترا وكان أبن عمه سعد أبو العلا يقوم بإدارة أعمال أسرته التجارية بمصر قد طلب منه مرافقته لقضاء بعض من إجازة الصيف بالا سكندريه وهناك حدثت المأساة التي جعلت منه شاعراً وهى حدوث كسر بفقاريات السلسة الفقرية في منطقة الرقبة مما أصابه بشلل رباعي للأطراف الأربعة وذلك عند فشله في توقيت القفز مع علو الموج عند السباحة على الشاطىء وصار حسن طريح سرير المرض لفترة طويلة ...





































ولى المسا
الشاعر السوداني حسن عوض ابو العلا
ولى المساء الواله المحزون في جـوف الضبابو أنا أهيئ زيـنتـي و اعد مفتخـر الثيابآمـلا لقيآك الحبـيـب و يصـدنـي زهو الشبابأمسـي مـضـى بين التحسر والأنـين و وسـادتي بـلـلتـها بالدمـع و الدمـع السخي مـع تباشير الصبـاح و بسمة الفجر الأميـنغنـيـت مـثـل الطـيـرفـرحا فـي ريـاض العـاشـقيـنتـسرى النسائم عذبة و أنا أهيم بلا ملالو تقودني الآمال في دنيا المباهج و الخيالوهناك أرقد في الرمال ولا أرى غير الرمالغدا أذوب مهجتـي في حر أنفاس الغرامأرنو إليك و لوعتي ظمأ تأجج في ضرامو أبيت أعشق في الدجى طيفا ينادى في منامأنا أبدا أعيش بحبه أنا غـيـر أحبابي حطامغدا نـكون كـما نـود و نـلتـقي عـند الغروبغـدا تجـف مـدامـعـي و تزول عن نفسي الكـروبغدا تعود مـبـاهجـيغـدا حـبـيـبـي حـتـما يعـود!





















أسراب الحسان
الشاعر السوداني / حسن عوض ابو العلا
أي سرب يتهادىبين أفياء الظلاليتثني في جمال ويغني في دلالمثل عنقود تدلىبشغاف القلب مالكطيور حالماتسابحات في العبيروصلاة ودعاءوابتسام في سرورفتنة تمشي الهوينىبين منثور الزهوريا ملاك ياملاكيا ملاك الحسن مهلاأنت في زهو الشبابوأنا قد صرت كهلامن جمال وجه المذابلو هوانا كان عدلاما جفا ثغري الشرابإن في عينيك سحراملئ عينيّ سرابدمعة حرى هتونوكؤوس من عذابهذا ما نلت فهاتواما تبقى يا صحاباتركوها في ذراهاودعوني للجوىشغل القلب هواهاوهي لا تدري الهوىكم تمنيت لقاهاوتمناني النوى






تاج السر الحسن
هذه الفذلكة التاريخية تم الاستعانة بها من موقع الحاج يوسف الالكتروني
وهذا والرائع/ تاج السر الحسن باختصـار :- الدكتور تاج السر الحسن الحسين (السودان). - ولد عام 1935 في الجزيرة أرتولي- الإقليم الشمالي ولاية نهر النيل. - أنهى دراسته الابتدائية في النهود- كردفان 1946، والقسم الابتدائي بمعهد النهود الديني 1950، وبعد أن أتم دراسته الثانوية التحق بكلية اللغة العربية بالأزهر وتخرج فيها 1960، ثم سافر إلى موسكو والتحق بمعهد ماكسيم جوركي للآداب 1962، وتخرج فيه 1966 ثم حصل على الدكتوراه 1970. - اشتغل بالتدريس في معهد العلاقات الدولية بموسكو 1967- 1973. - أثناء وجوده في القاهرة وموسكو صدرت له مجموعات شعرية، واشترك في الندوات الأدبية والشعرية وفي البرامج الإذاعية والتلفزيونية، كما أسهم بالكتابة في الصحف السودانية والمصرية والعربية. - دواوينه الشعرية: قصائد من السودان 1956- القلب الأخضر1968- قصيدتان لفلسطين 1991- النخلة تسأل أين الناس 1992- الآتون والنبع 1992. ، آسيا وأفريقيا- مؤلفاته: بين الأدب والسياسة- قضايا جمالية وإنسانية- الابتداعية في الشعر العربي الحديث، بالإضافة إلى نشره العديد من الترجمات من الروسية إلى العربية. - تناول شعره بالدراسة دارسون عرب وأجانب منهم محمد النويهي، ومصطفى هدارة، كما كان موضوع دراسات للماجستير والدكتوراه.وهو من سكان الحـاج يوسـف مربع 3 وشـقيق الضابط والإعلامي والشاعر الفذ/ الحسين الحسن
تاج السر الحسن الذي عاش حياته الأولى بين مدينة النهود في كردفان ـ ارتولي والباوقة ومقرات وكبوشية في ولاية نهر النيل.. وقد تلقى تعليمه في النهود ـ المدرسة الشرقية الاولية ثم المعهد العلمي ومن معهد النهود العلمي الى الازهر في القاهرة، وكانت نقلة مهمة في حياة الشاعر تزامنت مع ثورة 32 يوليو 1952م. ونظرة الى المشهد الشعري ـ العربي والسوداني، نوضح حجم المعاناة التي لقيها رواد التجديد ممن عرفوا بشعراء التفعيلة ـ فقد التقط افراد جيل التاج والفيتوري وجيلي عبد الرحمن ومحيي الدين فارس مبادرة ـ السياب ونازك والبياتي ورفاقهم ـ وقد لعب شعراؤنا بمن فيهم تاج السر دورا في تثبيت اركان شعر التفعيلة الى جانب رصفائهم المصريين من جيل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي.. خاصة ان مصر كان فيها من كبار النقاد والأدباء من يعارض التجديد في الأدب وفي الشعر بصفة خاصة ، وضرب مجذوب عيدروس مثلا بما قام به الاستاذ عباس محمود العقاد الذي كان يرأس لجنة الشعر في المجلس الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية وقد أحال ديوان عبد الصبور الى لجنة النثر ـ الأمر الذي دعا عبد الصبور الى كتابة مقاله الشهير (موزون والله العظيم)ورغم ان العقاد كان أول أمره مجدداً ووقف بحدة مع المازني ضد أحمد شوقي ـ وجماعة أبولو الا ان الامر انتهى به الى رفضه تجديد الموجة الثانية من المجددين (شعراء التفعيلة). وتطرق مجذوب عيدروس الى شعر الحسين الحسن وهو من أفراد هذه الأسرة الشاعرة.. وذكر العوض أحمد الحسين (ديوان مشاعر إنسان) وأغنية يا نسيم ارجوك للتاج مصطفى ـ والجيل الجديد من الشعراء (حسن عثمان الحسن) الذي كتب مقدمة ديوانه د.تاج السر الحسن. وأشار الى ما اتسم به شعر الحسين الحسن المموسق والذي تعرف عليه الجمهور العريض من خلال قصائده التي تغنى بها الكابلي (حبيبة عمري)، (طائر الهوى) (أكاد لا أصدق) وهي في الديوان تحمل عنوانا آخر (دائماً معي) وحبيبة عمري التي صارت عنواناً للمجموعة الشعرية (انني أعتذر) ـ ومن خصائص شعر الحسين انه يميل الى السرد ـ فهو في هذه القصائد يحكي قصة.. يطوف بها المتلقي.. تفشى الخبر وذاع.. الى الأغنية المعروفة.. وكذلك تتجلى أدواته وقدرته على الحكي والقص في قصائد متعددة نخص منها الشاعر والبلبل وضوء القمر.. ولم يجد الحسين الاهتمام النقدي الواجب ـ وربما كان عمله في سلك القضاء ـ والقضاء العسكري بعد ذلك ـ وهجرته الى سلطنة عمان بعد ذلك، أثره ـ والى ان مجموعته الشعرية لم تطبع الا في 2005م ـ ولم توزع كما يجب رغم انها ثمرة لجهد مشترك بين وزارة الثقافة ودار جامعة الخرطوم للنشر.. وقد أحدث شعر الحسين نقلة واضافة للغناء السوداني المكتوب باللغة العربية الفصحى ـ ولعل انتشار هذه الاغنيات وسيرورتها بين الناس يدحض كل ما يقال عن ان الفصحى هي عائق أمام التلحين والغناء.
وهناك دور مهم قام به تاج السر الحسن، وهو انخراطه في نشاط المنتديات الادبية ـ ففي منتديات القاهرة قال الباحث الكبير زكريا الحجاوي ان الفتية السمر (الفيتوري ـ تاج السر ـ جيلي ـ فارس) قد تفوقوا على البيض ـ وكذلك مساهماته في نشاط الندوة الادبية بأم درمان ـ ورائدها عبد الله حامد الطيب ـ حبيب مدثر ـ بالاضافة الى مشاركات د.عبد المجيد عابدين ود.احسان عباس.. وقد كان ان خرجت من الندوة فكرة ان يغني الكابلي آسيا وأفريقيا لتاج السر الحسن والمولد للمجذوب، وان يغني عثمان حسين في محراب النيل للتجاني يوسف بشير. وقد ساعد تاج السر انتماؤه لمعسكر مناهض للاستمرار في أجواء مصر عبد الناصر ـ وقد توثقت صلات تاج السر بالحركة الابداعية ـ وتعرف بعد ذهابه الى موسكو على الادب الروسي ـ وتاج السر الحسن ناقد كبير ـ وفي كتاباته عن الابتداعية في الشعر العربي الحديث، آراء نقدية خاصة فيما يتعلق بجماعة الفجر ـ فقد تناول د.تاج السر ظاهرة تحول الرومانسيين الاوروبيين الى المحلية. ويقول د.تاج (وقد برزت هذه الظاهرة بصورة اكثر حدة عند نقاد ابولو، وعند منظري مدرسة الفجر السودانية فقد اطلعنا في مجلة الفجر على أكثر من مقالة في هذا الموضوع (الأدب القومي) وكرس التجاني يوسف شاعر الفجر الاول قصيدة خاصة لهذا الموضوع «الأدب القومي» كما خصص حمزة الملك طمبل جزءا من كتاباته النقدية لهذه القضية، وخاصة في كتابه «الادب السوداني». وعلى الرغم من الضحالة النظرية التي طبعت اعمال الحركة الابتداعية العربية في هذا المجال فان الوعي والرغبة الملحة في تصوير الواقع بهذه الصورة، أعطى الشعر الجديد مذاقا واقعيا خاصا، وهوية لا يمكنه التمتع بها لو وقف عند وصف الناقة والاثافي وحدها!. وأشار مجذوب عيدروس الى ترجمة تاج السر لمقالة المستشرق كراتشكوفسكي عن اقوال طه حسين في قصة انتحال الشعر الجاهلي ورد المستشرق على أقوال طه حسين وكنا قد نشرناها في مجلة الثقافة الوطنية ـ الخرطوم سبتمبر 8891م. كما ان لتاج السر الحسن مساهمات في علم الجمال ضمنها مقالاته التي نشرت فيما بعد في كتابه قضايا جمالية وانسانية.



أنشودة آسيا و أفريقيا
تاج السر الحسنعندما أعزف يا قلبي .. الأناشيد القديمةويطل الفجر في قلبي .. علي أجنح غيمهسأغنى آخر المقطع .. للأرض الحميمةللظلال الزرق في غابات كينيا والملايولرفاقي في البلاد الاسيويهللملايو .. ولباندونق الفتيهلليالي الفرح الخضراء .. في الصين الجديدةوالتي أعزف في قلبي لها ألف قصيده
كانت حركة عدم الإنحياز التي تبناها كل من الزعماء الراحلين ( جمال عبدالناصر – والزعيم اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو – والقائد الهندي البانديت نهرو ) تمثل آمالا عريضة لشعوب العالم الثالث الذي كان الإستقطاب الدولي الكبير وقتذاك يعمل علي إنحياز الدول لقطب من القطبين بعد الحرب العالميه الثانية حين ظهر المعسكر الإشتراكي بقيادة الإتحاد السوفيتي ، في مقابل القطب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .. فكانت الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين تغطي معظم مفاصل الأخبار السياسية العالميه قبل نصف قرن من الزمان ، أي منذ منتصف الخمسينيات وحتي تسعينيات القرن الماضي . ولتلك الأسباب قام اولئك الزعماء الثلاثه – ناصر وتيتو ونهرو- بتكوين كتلة عدم الإنحياز التي ضمت العديد من دول العالم الثالث وقتذاك حيث كانت همومها متشابهة وقضاياها متقاربه .. فكانت اندونيسيا في جنوب شرق آسيا هي التي وقع عليها الإختيار لإنعقاد اول مؤتمر ، حيث شهدت مدينة باندونق جلسات إنعقاد ذلك المؤتمر التاريخي ... وهنا نذكر طرفه حدثت إبان الجلسه الأولي للمؤتمر ، حيث كانت إدارة المؤتمر قد وضعت أعلام صغيرة للدول المشاركه علي طاولة كل وفد .. إلا السودان والذي لم يكن قد نال إستقلاله بالكامل عام 1955م حيث كان تحت الحكم الذاتي التمهيدي بزعامة الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري رئيس وفد السودان في المؤتمر ، وحينها اقترح عبدا لناصر بأن ينضم الوفد السوداني إلي الوفد المصري وتحت العلم المصري ، غير أن الزعيم الأزهري كان قد أحتاط مبكرا لهذا الموقف ، فأخرج من جيب الجاكيت قطعة قماش بيضاء اللون ومصممة في شكل علم حسب المقاس المحدد ووضعها في مكان العلم .. وبهذا التصرف جلس وفد السودان مستقلا داخل القاعة .. بل كان خطاب الأزهري من أكثر الخطب التي نالت الثناء من كتلة عدم الانحياز .. فلم تمر شهور قليله إلا وينال السودان استقلاله من الاستعمار البريطاني.وقد ظل ذلك النشيد ( آسيا وأفريقيا ) يحمل بين طياته أسماء الرموز الوطنية التي كانت تقود حركات التحرر الوطني من الاستعمار في القارتين آنذاك .. ومن النشيد حفظنا أسماء الزعيم الكيني جومو كنياتا .. والاندونيسي احمد سوكارنو .. والزعيم الهندي التاريخي المهاتما غاندي .. وشاعر الهند العظيم طاغور .. ومن النشيد تعرفنا علي تحرير قناة السويس وعلي شعب الجزائر .. وعلي قوة الجيوش المغربية.





قصيدة الكــوخ الشاعر / السوداني تاج السر الحسن ذلك الكوخ ذكريات تلاشت في طوايا طفولتي وصباياذلك الكوخ منزلي وهُنا بالأمس كانت معربدات خطاياكان أنشودة وكنت صداها كنت لحناً وكان لي هو ناياوبقايا خطوي عليه تنادي صارخات إلى لقاء لقايا***ذلك الكوخ في جوانبه أمي وفيه أخواتي يمرحون بين رحابهوهنا والدي يجئ مع الليل .. ليقضي المساء بين شعابهحيث كنّا نقضى الأماسي فرحي في حديث تتيه في خلابةوأخي جالس يحدّق فينا كلّما قيل زاد في إعجابههو طفل وأخته مثله ترنو لحديثي مشغوفة مما بهوهي لا ترضى حديثي حيناً فلها أن تردّني لصوابهوهنا جدتي تسوق الأساطيروترى الخرافة السحريةوهي لا تلقى على السرير بقاياجسدٍ منهك ونفس هنيّةوعلى وجهها الصغير خطوطرسمتها يد الزمان القويةوعصاها العتيقة الملويةوارتجاف الأنامل المحنيةكان في سالف الزمان وكانتقصة الحبّ قصة الإنسانكانت الأرض تزدهي بالأمانيكان ابن النمير يعشق ليلىوهي كانت أميرة للجان***وهنا في شعاب هذا الخيالعبر آفاق دهره والثوانيكان يمضى بنا الحديث المثاروحنين المجهول يدفع فينارغبةً يستزيدها إصرارهكذا نقضى الأماسيبهجة فرحا علينا تدار***ثم يمشي النعاس في الأهدابفي العيون البريئة المطمئنةفي الوجوه الحبيبة المستكنّةويغطى السكون حتى الطريق الرحبحتى ظلاله المرجحنّه***وتنام الطيور في الأعشاشحالمات صغارها في الدجنةبرؤى الفجر بابتسام الصباحبندى الزهر باللحون المرنةويطلّ الفجر الجميل عليهوهو قيثارة بيمنى يديههو كوخي الصغير مستودع الماضيولحني الذي أحنّ إليهكل ما كان من مشاعري الحريوخطوي يخطرن في راحتيهوهنا ظلّ (نيمتى ) وثراهيدعواني إليه، يوماً إليه.





















كفاح.أنشودة آسيا وأفريقيا شعر : تاج السر الحسنعندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمةويطل الفجر في قلبي على أجنح غيمةسأغنى آخر المقطع للأرض الحميمةللظلال الزرق في غابات كينيا والملايولرفاقي في البلاد الآسيوية .. للملايو ولباندونق الفتيةلليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدةيا صحابي صانعي المجد لشعبييا شموعا ضوءها الأخضر قلبيوأنا في قلب إفريقيا فدائــييا صحابي وعلى وهران يمشي أصدقائيوالقنال الحر يجري في دمـــائيوعلى باندونق تمتد سمــــــــائييا رفاقي فأنا ما زرت يوماً اندونيسياأرض سوكارنو ولا شاهدت روسياغير أني والسنا في أرض إفريقيا الجديدةوالدجى يشرب من ضوء النجيمات البعيدةقد رأيت الناس في قلب الملايومثلما أمتد كضوء الفجر يوم..مصر يا أخت بلادي ياشقيقةيا رياضا عذبة النبت وريقةمصر يا أم جمال .. أم صابرملء روحي أنت يا أخت بلاديسوف نجتث من الوادي الأعاديفلقد مدت لنا الأيدي الصديقــــةوجه غاندي وصدى الهند العميقةصوت طاغور المغنيبجناحين من الشعر على روضة لحن يادمشقكلنا في الفجر والآمال شرقأنت يا غابات كينيا يا أزاهريا نجوما سمقت مثل المنائريا جزائر .. هاهنا يختلط القوس الموشىها هنا من كل دار .... كل ممشىنتلاقى كالرياح الآسيوية.. كأناشيد الجيوش المغربيةأغني لرفاقي في البلاد الآسيويةللملايو ولباندونق الفتية.




الشاعر حسين بازرعة
الشاعر السودانى /السر دوليب يحكي عن حسين بازرعة* حدثنا الشاعر السر دوليب فجاء حديثه بلسما في حق صديقه ورفيق دربه في ايام الصبا الشاعر حسين بازرعة حيث قال: التقيته في مدرسة وادي سيدنا وكان يسبقني في الفصول الدراسية ولكن جمعتنا داخلية واحدة فكان التعارف لتتقارب وجهات النظر كان يحب الشعر وكنت احبه وكان يحب الكورة وكنت مولعا بها يعني التقاء في الفن وكان انذاك رئيس العنبر د. منصور خالد حيث كان في السنة الرابعة ويلتف حوله مجموعة من الشباب... وعاصرنا كتابة القبلة السكرة.. كنا اصحاب نقرأ معا لنزار قباني وشعراء المهجر كنا ملمين بالشعر العربي من مصر العقاد وشوقي فقد كنا مهتمين بالانشطة الثقافية ..وقد جمعنا حب مشترك للراحل عثمان حسين وقد نشأت بيننا صداقة وطيدة وتحدث عن الاجازة التي قضاها في بورتسودان مع الشاعر بازرعة والتي وصفها بالممتعة ومن خلالها تعرفت على اسرة بازرعة ومعالم مدينة بورتسودان واتفقنا ان الراحل عثمان حسين هو المدخل الجيد لاشعارنا، بازرعة يكتب القصائد الطويلة وانا بنمط قصير، كان عثمان حسين وبازرعة متجانسين مع بعضهما البعض الى ان سافر حسين بازرعة الى السعودية وترك لنا ذكريات جميلة وحلوة .. وكان عثمان حسين يسافر من فترة لاخرى اليه ، كان يلتقيه ويسأل عن احواله وانا شخصيا مبسوط من التكريم الذي اقيم في النادي العائلي بالخرطوم لحسين بازرعة الذي يدل على ان الشعب السوداني شعب وفي يقدر الشعراء وهذا الشعب فاضل وكريم وعميق والا ما كان هذا التكريم حتى الشباب الذين لم يعايشوا الشاعر حسين بازرعة لكنهم جاءوا واستمعوا لهذا الشاعر واثبتوا انهم شباب واعي للقديم الثر وتمنى في نهاية حديثه الشفاء العاجل لرفيق دربه وان يتم عليه بالصحة والعافية.












القبلة السكري
شعر / حسين بازرعة أتذكري في الدجى الساجى ... مدار حديثنا العذبوفوق العشب نستلقي .. فنطوى صفحة الغـــيبوإذ مـــالاح نجم سعد .. نرشف خمرة الحـــباتذكرى عهد لقيـــانا .. ويوم القبــلة السكريوقبَّل ثغري الظامئ .. فقــــد لا تنفـــع الذكـــرىوترقد في يدي كالطفل .. الثم ثغرك العطريوقطرات الندى الرقراق .. تعلو هامـــــة الزهدوالحان الهزار الطلــق .. فـــوق خمـــائل النهرولما ينقضي اللـــيل .. وينــعس ساقي الخمريرف الضوء كالحلم .. يسكــب خمـــرة الفجــــراتذكرى قبلتي والليـــل .. يــروى طلعـــة البدركيف اناملى الحيرى .. تداعب خصلة الشعـــروتنعس في ظلال النور .. تحكم بالهوى العذرياتذكرى عهد لقيانا .. ويوم القبلـــة السكريوقبل ثغري الظامئ .. فقد لا تنفــع الذكــــرى







لا تسلني
شعر / حسين بازرعة
لا تسل عنى ليالي حبيبي لا تسللا تسلها فهي حلم عابر طاف بذهنيلا تسلها كم تعانقنــا علــى رقة لحني وقضينا الليــلة الأولى حديثا وتمنىلا تســل عنــى ليالي فقد بتنا حطاماكم حرقناها شعـــورا وامانى وغراماوســـل الشاطئ لما كنت ألقاك دواماونذيب الليل همسا وعناقـــا ومـــلامايا حبيبي أنت ألهمت اغـانى وجرسيأنت في وحشة ايامى ندى أورق أنسىأنت في عمري ربيعا دافئا يملا نفسيأفلا عدت وعادت قصة الحب كأمس















أنا والنّجم والمســــــاء شعر/ حسين بازرعة أنا والنجم والمســـاء ضمَّنا الوجد والحنين جفَّ في كأسي الرجا وبكت فرحــة السنين آهِ يا شـاطئ الغــدِ أيــن بالله مـوعــدي أين في الليل مقعدي *** يا خطــاها على الربي عطر أنفاسها صبا تحمل الشوق والصـبا والخيـالات موكبا *** وأنــا كلمــــا دنـــا طيفها الحلو وانثنى عادني الهمُّ والضنى *** في الدجى شاق مسمعي صوتها الملهم النغم في الهوى هـاج مدمعي حبهّا الخـالد الأليـم *** كلمــــــا لاح بـــارق مـن محيـاها خـــافق مات بالهمِّ عاشق إنهـــــا رُقيــتي التي خلــدت لحـن شهرتي أسـرجت ليل وحــدتي بالأسى والصبـــــابة *** يارؤى البحـر اشهدي هاهــنا كان موعــــــدي وهنا كان مقعدي













كتابة عن الشاعر (صديق مدثر )
بقلم صلاح هاشم السعيد03/02/2010م

كأنما يخشانا "نحن"، كأنما يخشى الواقع وهدره "الفعلي" للقيمة العاطفية كأنما يسعى لابتداع عالم "مواز" في "المتخيل" يحقق وجوده "الخاصجداً" "للمثل العليا" بوحي من إرادته الحرة.. أقول ذلك لأن صديق مدثر"كما أراه" لا ينتمي لعالمنا هذا ـ لم يخسر نفسه ولم يتلون كما فعلنا ـسمعته يتحدث عن كل شيء بمرجعية معرفية ولكن لم أسمعه "قط" يتحدث عن أفكاره في مسائل الوجود "وهو المعني بالأمر". يتحفظ تماماً على رأيه فينا نحن "البشر".. علمته التجربة أن يهرب "منا" في "حديثه العام" إلى تركيز الحكايةاليومية بأفعالها الصغيرة وشخصياتها العادية دون ترميز أو إشارةلفكرة ـ كأنما أصل تواجدنا في تفاصيل أحداثنا البسيطة "دون شرط"..لا أظنه يريد أن يكون شارحاً بقدر ما يسعى إلى كشف المسكوت عنه "منا"، ليس بقصد التماهي معنا أو كشف أبعادنا المجهولةولكن.. أظنه.. يريد تحريرنا إلى (القيمة) من سلطة (الغرض)،حتى لا نقع أسراه وحتى لا يهمشنا "الواقع" ويحجب وجودنا.. أظن "جازماً" أن للشاعر في الرائعتين "ضنين الوعد" و "عودة الحبيب المنتظر" (تجربة شعورية) مع حبيب واحد في "المتخيل أو الواقع" وإن كان ينشد الاختلاف، إلا أنهما "في الحالتين" محاولةلإنتاج معاني "الحضور والغياب" ـ كأنما يتحدث عن مأساةوجوده "الخاصة" في المتناقض ما بين نبله الداخلي والآخرالمتعدي على "القيمة" نصاً وفعلاً صديق مدثر "حالة عليا"..ليست من هذا الزمان "إطلاقاً". حالة استثنائية لرجل بكلالمقاييس لا نستحقه...
كتب / عبد القادر الرفاعي في وصف شخص صديق مدثرالتاريخ: 19-09-2008م,

* شخصيته فريدة جذابة، وقدرته هائلة على التعبير الساخر* صديق مدثر من رواد الفكر الديمقراطي في السودان
مأخوذ من قصيدة صديق مدثر (أنشودة أيادي الخير )
يا أيادي الخير يا أغلى الأمانييا أمان النفس من غدر الزمانغني هاتيك القرى غني المدائنلحن حب وإخاء وتعاونلن يصيب المجد كف واحدنبلغ المجد إذا ضمت كفوفسوف يحدونا إخاء خالدوتقوينا على الدرب الألوفديوانه وهج المشاعر ص 18 – 19
أي الهام وأي معنى نبيل حملته هذه القصيدة، هي دعوة؟ أم نداء؟
للسياسي والمثقف للمزارع أو العامل. للنساء أم للرجال؟ أظنها كلهذا أو أكثر من ذلك.

ولصديق مدثر قصيدة رثاء عنوانها: إلى الخال العزيز:
أحب الحياة فما أقبلتوناصبه الدهر كل العداءفما لان يوماً لسطوتهاوأبدى ازدراء لها بازدراءتراه وقد ضاعفت مكرهاتماسك بالصبر والكبرياءويقبل منها قليل القليلويبسم وهو شديد العنادإليك على البعد مني السلامومنى إليكم جميل العزاء
وصديق مدثر يعجب في قصيدته (ميلاد شاعر- الديوان) كيف أثارت
مهجته تلك القصيدة بأحزان الفراق الذي تجبر وازدرى ويعجب كيففي شرح الصبا تجد الهموم إلى حماه معابر.. فيحيل والحرف جمرفي الأيادي حارق فيحيله زهراً فيشرق ناضراً، فالشعر يختار الذيإحساسه فاق التصور رقة وتفجرا.. وهكذا



















ضنين الوعـــد الشاعر \ صديق مدثريا ضنين الوعد أهديتك حبي من فؤاد يبعث الحب ندياأن يكن حسنك مجهول المدىفخيال الشعر يرتاد الثريا كلما أخفيته في القلب تنبي عنه عيناك ولا يخفى علياأنا إن شئت فمن أعماق قلبيأرسل الالحانا شلالا روياوأبث الليل إسرار الهوىواخص الصبح لون بابليالا تقول إني بعيد في الثرى فخيال الشعر يرتاد الثرييا ضنين الوعدكان بالأمس لقاءنا عابرا كان وهما كان رمزا عبقرياكان لو لا أنني أطلقتهوتبينت ارتعاشا في يديا بعض احلامى التي انسجها في خيالي وأناجيها مليايا ضنين الوعدومضة عشت على إشراقها وانقضت عجلي وما أصغت ألياكلمة خبأتها في خافقي وترفقت بها مرت حفيه من دمي غذيتها حتى غدت ذات جرس ياسر الأذن شجياوافترقناوبعيني المنى قالها الدمع وما أظهرت شيئا إن تكن أنت جميلا فأنا شاعرا يستنطق الصخر العصي إن تكن أنت بعيداً عن يدي فخيالي يدرك النائي القصي لا تقل إني بعيد في الثرىفخيال الشعر يرتاد الثريا


















توفيق صالح جبريل
كتب شوقي بدري عن شاعرنا الكبير توفيق صالح جبريل ما يلى:
الشاعر توفيق صالح جبريلسأحاول في هذا المقال أن أتجنب الأشياء التي سيذكرها الآخرون، ولن أقيّم شعر توفيق لأنني لست مؤهلا لهذا.ولكن سأحاول أن أقدم بعض الصور التي لا تكون معروفة للآخرين.شعر توفيق عبارة عن باروميتر أو مرآة تاريخية، تسجل كل ما يحدث حوله. ولحسن الحظ يضع التأريخ في أغلب قصائده وربما هذا بسبب عمله الإداري والقضائي. وله مقدرة عجيبة علي تسخير الكلمات وتشكيلها ويكاد يكون كابن الرومي لو أراد لجعل كل كلامه شعرا. وهذا شيء رائع بالنسبة لإنسان لا تعتبر العربية لغة أمه. فوالدته هي شريفة ابنة سليم بن عبد الله، وهي محسية لا تتكلم العربية بطلاقة.من نوادر توفيق أن أمه كانت في طريقها لزيارته في كسلا في الثلاثينيات ووالدته قد تخطت السبعين عاما وقتها، وتعطل القطار في احدي المحطات فاتصل توفيق بناظر المحطة لمساعدة والدته فسأل ناظر المحطة محتارا :"أمك دي أعرفها كيف يا توفيق؟" فقال توفيق بمرحه المعروف : " سهلة جدا أمي علمية وعجمية" هذا إشارة لقامتها الفارعة وعدم تمكنها من العربية وهي تشبه حفيدتها وهي شاعرة وقد رثت عمها توفيق بقصيدة "قومية" .أمال علي صالح جبريل.لقد أعطانا توفيق 383 قصيدة منشورة في ديوانه من أربعة أجزاء (أفق وشفق) الذي حققه الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم ومحمد صالح حسن كما أعطانا تأريخا حافلا بالنضال والوطنية.وكما قلت في مقالات سابقة فإن توفيق هو أبو الوطنية السودانية بلا منازع ولم نعطه نحن شيئا سوي لوحة صدئة في جدار داره يغطي جزء منها الطلاء الأصفر "ساحة الشاعر توفيق صالح جبريل" حتى هذه اللوحة البائسة وجد أصدقاء ومحبي توفيق كثيرا من العناء قبل تثبيتها. فالسلطة وتوفيق ضدان لا يلتقيان.قبل أسبوعين نجحت في إقناع لجنة الحي وبعض رجال أم درمان في إطلاق أسم توفيق علي الحديقة أمام داره، وعندما رفعت اللافتة "حديقة الشاعر توفيق صالح جبريل" أتي بعض الجزارين من الحي وبعض البسطاء وهددوا بالموت وعظائم الأمور واستنكروا إطلاق أسم توفيق علي الحديقة وكانوا يقولون : "كيف تسموا الجنينة دي علي توفيق؟ وتوفيق ده من؟ ونحن رجال الحي ده كيف تسموا الجنينة بإثم زول ثاني؟ من الموكد أن هنالك من دفع بهؤلاء البسطاء.إن الغلطة في المقام الأول هي غلطتنا نحن المتعلمين فمن العادة أن نهمل عظمائنا. الإذاعة البريطانية قدمت توفيق إلي المستمعين قبل عدة شهور وتحدثت عن عظمته وشعره والمبادرة أتت من أحد العرب وأنجز البرنامج الأستاذ محمد خير البدوي الذي يخصه توفيق بأحدي قصائده.حتى الدكتور أبو سليم يعترف بأنه لم يتعرف توفيق إلا من خلال القصيدة التي غناها الكابلي "كسلا" وإذا كان هنالك من لا يزال يسأل عن من هو توفيق فتوفيق قد ولد في جزيرة مقاصر إقليم دنقلا في 29 سبتمبر 1897 وجده جبريل من الشلال بمصر وأصله كنزي وانتقل إلي السودان في أيام التركية.نشأ توفيق في منزل عرف بالسرايا أو قلعة صالح جبريل ولا يزال قائمآ وهو أول منزل في أم درمان يبني بالطوب الأحمر وعلي هذا الطراز، وقد أحضر الطوب من سنار بالمراكب والمنزل يقدر بآلاف الأمتار وأمامه دكاكين كانت مشهورة لازدحامها بالبضائع وكل الخيرات عرفت بدكاكين صالح جبريل وأمام الدكاكين سبيل صالح جبريل بسقيفة جميلة وماء نمير لعابري السبيل. السقيفة قد انهارت والجرار تعاني من الجفاف. ولم نستطع كعادتنا أن نحافظ علي ما تركه لنا الرجال. والأغنية يا بدور القلعة وجوهرها تشير للسرايا.الدهليز الذي أشتهر كمنتدى للأدباء والشعراء منفصل عن السرايا وبابه كان أعرق باب سنط في أم درمان وقد صنعه في أول المهدية "ود السني" وهو من أسرة مدني السني التي تنسب إليها عاصمة الجزيرة "ود مدني" .باب الدهليز قد صار في خبر كان وكذلك الدهليز وأبدل بباب هزيل من الخشب المتهرئ والمنطقة أمام الدهليز حيث كان يجلس أعظم الرجال صارت مبولة،تغطي بالقاذورات إننا نتبول علي نصب تذكاري. إذآ ما العجب في أن حالنا هو حالنا؟؟!السرايا قد قسمت.فالحوش والصالون العتيق يستأجره بعض تجار السوق الذين يحضرون في الليل للنوم. ووسط السرايا وقبلها تستأجره أسرة.وانذوي أهل السرايا في هذا الزمن الجائر في جزء صغير من البيت.كانت هنالك خلوة ملحقة بالسرايا وفي هذه الخلوة تعلم توفيق وشقيقاه علي وإبراهيم وأختاه كلثوم وفاطمة. ثم تتلمذ علي يد أساتذة خصوصيين وتخرج في كلية غردون في سنة 1916 وعمل بالتدريس في الأبيض إلا أنه استقال بسرعة قائلا أنه لا يستحق شرف أن يكون معلما.بالرغم من هذه النشأة المترفة إلا أن توفيق كان متواضعا وبسيطا جدا يحب كل الناس ويؤمن بالعدالة الاجتماعية ويدعو إليها ويدافع عن البسطاء والمسحوقين. وعرضه هذا لأن يكون حادثة شاذة. فهو الإداري الوحيد في السودان الذي عمل في الإدارة لأكثر من ثلاثين عاما بدون أن يترقي ولم يساوم أبدآ وهو القائلسألاقي الموت صلبا كالرماحتاركا بعدي شيئا لن يموتهو ماذا؟ إنه الحق الصراحويقول نزلاؤنا النبلاء الكرماء من أبناء جنسالصاعدون إلي العلا النابذون لكل رجسعمالنا الغبش الخفاف الخشن لم ألجأ لملسأنتم حياة الشعب حامو وحب الشعب قدسيما بعتم يوما ضمائركم بغال أو ببخسأو حمتموا حول "السرير" ولا تمسحتم بكرسوكان ينشر الشعر مهاجما الإنجليز حتى حرف التاء.توفيق كان يصادق كل الناس من كل الأعمار لم يكن كالآخرين من جيله يبني الأسوار أمام من هو أصغر منه سنا ومكانة. وكلما أتذكره أحس بيده تقبض علي عنقي ويشدني بقوة إلي صدره شاتما بمزاح. وعندما تهيئ له أبنته مرقده علي المسطبة كان يفسح لي مكانا عند قدميه ويتبسط معي،علي عكس إبراهيم بدري الذي لم يحدث أن أكلنا معه أو جلسنا أمامه. كطريقة ذلك الجيلمن أصدقاء توفيق المقربين محمد عثمان يس الذي صادق توفيق وهو في العشرين من عمره وتوفيق قد تخطي الأربعين، ومن وحي تلك الصداقة وليالي الأنس خرجت قصيدة كسلا.وصادق توفيق صالح عبد القادر وهو أحد المؤسسين لجمعية الإتحاد السرية كما صار الصديق اللصيق لمنير أبن صالح عبد القادر وخصه ببعض قصائده وذكر أبن منير الفرزدق. وعندما قدم لي الفرزدق قبل شهور في أبو ظبي لأول مرة قلت له أنت الفرزدق منير صالح عبد القادر وعندما رأيت الدهشة في وجهه قلت له جدك ووالدك من أصدقاء توفيق صالح جبريل.وعندما يقول توفيق
محمد محمد *** أنت طيري الفردإن الأنام رقدوا***فقم معي نغردمن الصعب نصدق أن الشاعر يخاطب طفلا عمره ثلاثة سنوات هو محمد سر الختم علي صالح جبريل.توفيق كان مثالا للسوداني الهميم لطيفآ سهلا "حنينا" وأغلب شعره وأحسنه يدور حول أصدقائه الكثيرين وأبناءهم وأهلهم. تخبرنا أبنته سكينة كيف كان يعتكف لشهور عندما يموت أحد أصدقائهلا يخرج أو يخاطب أحدا وأجود ما قال كان في رثاء أصدقائه كرثائه لعبيد حاج الأمين بطل 24 الذي سجن ونفي إلي واوجاهدت لا متبرما تخش ألردي ** وسهرت تعمل والأنام هجودوارتك أكناف الخلود مناضلا ** بيني وبينك يا عبيد بعيدويناجي أبنه إبراهيم بدري بعد موت صديقه ومرض توفيق يا بنت إبراهيم حياك الحيا عند المقيلعز الوصال وليس بيني وبينك غير ميلورثي والدته شريفة بعد أكثر من عشرين سنة من موتها مضت أمي بآمالي الغوالي وبدد فقدها العطف الأخيرقصيدته مصرع البائس تعبر عن إحساسه بآلام الآخرين ويقول
علي كتفيه أسمال تلاشت ** تلوذ بها الخطوب وتستتروينهي القصيدة ببيت شعر يعكس تمرده وعدم قبوله الضيم يموت أخوكم الإنسان جوعا ** وإملاقا أما في الناس حرتوفيق كان بسيطا في طعامه وملبسه وطريقة حياته، ولم أري توفيق مرتديا أي شيء سوي الجلباب البسيط وإن كان سعيد الذي رافقه وخدمه جزء كبير من حياته ولا يزال يتمتع بصحة جيدة يقول بأن توفيق كان يرتدي البنطلون وصوره الفوتوغرافية في العشرينات تظهره كشاب في منتهي الشياكة بملابسه الأوروبية وهنالك صورة لتوفيق قبل أن يبلغ السابعة من عمره وهذا شيء نادر في ذلك العصر.














حديقة العشاق ( في وصف مدينة كسلا السودانية)
للشاعر \ توفيق صالح جبريل
نضّر اللهُ وجهَ ذاك الساقي إنه بالرحيق حلَّ وثاقيفتراءى الجمالُ مُزدوجَ الإشراق يَسبي مُعدّدَ الآفاقكان صبحاً طلقَ المحيّا نديّاً إذ حلَلْنا حديقةَ العشّاقنغمُ الساقياتِ حرّك أَشْجَانيوهاج الأسى أنينُ السواقيبين صبٍّ في حبّه متلاشٍ ومُحِبٍّ مستغرقٍ في عناقوتلاقتْ في حلبة الرقصِ أيدٍ وخدودٌ والتفّ ساقٌ بساقفظللنا والظلُّ والطلُّ هامٍ في انسجام وبهجة واتّساقوفتاةٌ تختال تختار كَرْماً وغريرٌ لمخدعٍ مُنْساقوالغواني الحسانُ بين يدينا تتثنّى في القَيْد والإطلاقأقبل الصبحُ والشهودُ نُهودٌ مسفراتٌ، أَمَا لها من واق؟ظلّتِ الغيدُ والقواريرُ صرعى والأباريقُ بِتْنَ في إطراقاِئتِني بالصبوح يا بهجةَ الرُّوْح تُرحْني إنْ كان في الكأس باقيا بنةَ «القاشِ» إن سرى الطيفُ وَهْناً واعتلى هائماً، فكيف لحاقي؟والمنى بين خَصرها ويديها والسنا في ابتسامها البرّاق«كَسَلا» أشرقتْ بها كأسُ وَجْدي فَهْيَ في الحقّ جنّةُ الإشراق







الشاعر محمد سعيد العباسي
الشاعر السوداني /محمد سعيد العباسي بن الشيخ محمد شريف بن الشيخ نور الدائم بن الشيخ أحمد الطيب مؤسس الطريقة السمانية
بالسودان وأحد أشهر الطرق الصوفية السودانية، ويعد قطبا عند أهل التصوف.كان والده الشيخ محمد شريف نور الدائم خليفة للطريقة السمانية وكان زعيما طائفيا كبيرا تتلمذ على يديه كثير من الأئمة والعلماء، ويذكر بأنه قد كان أستاذا لمحمد أحمد الذي صار يعرف فيما بعد بالمهدي.
ولد العباسي بمنطقة
النيل الأبيض عام 1880م وتوفي عام 1963م. التحق لمدة عامين بالكلية الحربية بمصر ثم تركها قبل التخرج وتتلمذ في مصر على يد الشيخ الزناتي وكان يكن له حبا عظيما وقد رثاه بقصيدة رائعة.
كان العباسي صاحب ثقافة عربية ودينية واسعة وكان يعرف بحبه وعشقه لمصر وكتب فيها قصائدا كثيرة وجميلة ويعد العباسي من رواد النهضة الأدبية الشعرية في العصر الحديث وهو بلا شك من اعظم شعراء العربية ولا يقل -ان لم يزد- عن امير الشعراء
أحمد شوقي الا أن العباسي لم يجد حظه من الترويج والدعاية في كثير من الأقطار العربية.
للعباسي ديوان شعر بعنوان: ((ديوان العباسي)) به الكثير من القصائد جيدة الصنع بديعة التكوين ذكية التعبير عميقة المعنى ومن قصائده (عهد جيرون) و (يوم التعليم) وهو يقول في الأخيرة:
وعلموا النشء علما يستبين به سبل الحياة وقبل العلم أخلاقا
والعباسي هو والد الشاعر الكبير الطيب العباسي الذي يمتاز مع والده بجزالة الكلمة وصدق العاطفة وله أيضا ديوان شعر بعنوان (العباسيات)












عهـد جـيرونالشاعر السوداني \ محمد سعيد العباسي
أرقت من طول هم بات يعروني يثير من لاعج الذكرى ويشجوني منيت نفسي آمالا يماطلني بها زماني من حين إلى حين ألقى بصبري جسام الحادثات ولى عزم أصد به ما قد يلاقيني ولا أتوق لحال لا تلائمها حالي ، ولا منزل اللذات يلهيني ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت إلا الذي بجميل الذكر يرضيني وكيف أقبل أسباب الهوان ولى آباء صدق من الغر الميامين النازلين على حكم العلا أبداً من زينوا الكون منهم أى تزيين من كل أروع في أكتاده لبد كالليث والليث لا يغضي على هون وقد سلا القلب عن سلمى وجارتها وربما كنت أدعوه فيعصينى ما عذر مثلى فى استسلامه لهوى يا حالة النقص ما بى حاجة بيني ما أنس لا أنس إذ جاءت تعاتبني فتانة اللحظ ذات الحاجب النوني يا بنت عشرين والأيام مقبلة ماذا تريدين من موعود خمسين؟ قد كان لي قبل اليوم فيك هوى أطيعه ، وحديث ذو أفانين ولا منى فيك والأشجان زائدة قوم وأحرى بهم ألا يلوموني أزمان أمرح في برد الشباب على مراسح اللهو بين الخرد العين والعود أخضر وألايام مشرقة وحالة الأنس تغرى أبى وتغريني في ذمة الله محبوب كلفت به كالريم جيدا وكالخيروز في اللينأفديه فاتر ألحاظ وتل له "أفديه" حين سعى نحوى يفديني يقول لي وهو يحكى البرق مبتسما "يا أنت يا ذا" وعمدا لا يسميني أنشأت أُسمعه الشكوى ويسمعني أدنيه من كبدي الحري ويدنيني أذر في سمعه شيئا يلذ له قد زانه فضل إبداعي وتحسيني فبات طوع مرادي طول ليلته من خمر دارين أسقيه ويسقيني يا عهد جيرون كم لي فيك من شجن باد سقاك الرضا يا عهد جيرون ولا يزال النسيم الطلق يحمل لي ريا الجناب ويرويه فيرويني واليوم مذ جذبت عنى أعنتها هذى الظباء وولت وجهها دوني وعارض العارضين الشيب قلت له أهلاً بمن رجحت فيه موازيني كففت غرب التصابي والتفت إلى حلمي ، ولم أك في هذا بمغبون وصرت لا أرتضى إلا العلا أبداً ما قد لقيتُ من التبريح يكفيني

قصيدة \ مليط
للشاعر السوداني محمد سعيد العباسي
حيّاكِ «ملّيطُ» صوبُ العارضِ الغادي وجاد واديكِ ذا الجنّاتِ من وادِ فكم جلوتِ لنا من منظرٍ عَجَبٍ يُشجي الخليَّ ويروي غُلّةَ الصادي أنسَيْتِني بَرْحَ آلامي وما أخذتْ منا المطايا بإيجافٍ وإيخاد كثبانُكِ العفرُ ما أبهى مناظرَها أُنسٌ لذي وحشةٍ، رِزقٌ لمرتاد فباسقُ النخلِ ملءُ الطرفِ يلثم من ذيلِ السحابِ بلا كدٍّ وإجهاد كأنه ورمالاً حوله ارتفعتْ أعلامُ جيشٍ بناها فوق أطواد وأعينُ الماءِ تجري من جداولها صوارماً عرضوها غيرَ أعماد والوُرْقُ تهتف والأظلال وارفةٌ والريحٌ تدفع ميّاداً لميّاد لو استطعتُ لأهديتُ الخلودَ لها لو كان شيءٌ على الدنيا لإخلاد **** أنتِ «المطيرةُ في ظلّ وفي شجرٍ فقدتِ أصواتَ رهبانٍ وعُبّاد أُعيذ حسنَكِ بالرحمن مُبدعِهِ يا قُرّةَ العينِ من عَينٍ وحُسّاد وضعتُ رحليَ منها بالكرامة في دارِ ابنِ بَجْدتِها «نصرِ بنِ شدّاد» فاقتادتِ اللبَّ مني قَوْدَ ذي رسنٍ ورقاءَ أهدتْ لنا لحناً بتَرداد هاتي الحديثَ رعاكِ اللهُ مسعفةً وأَسْعدي فكلانا ذو هوًى بادي فحرّكتْ لهوى الأوطانِ أفئدةً وأحرقتْ نِضوَ أحشاءٍ وأكباد هوًى إلى النيل يُصبيني، وساكنُهُ أُجلّه اليومَ عن حصرٍ وتَعداد وحاجةٌ ما يُعنّيني تطلُّبُها لولا زماني ولولا ضيقُ أصفادي **** يا سعدُ «سعدُ بني وهبٍ» أرى ثمراً فجُدْ فديتُكَ للعافي بعِنْقاد وإنّ في بعض ما قد عافَ شاربُكم أعتاب ذي الفضلِ «يحيى» و«ابنِ عبّاد» ورقاءُ إنّكِ قد أسْمعتِني حَسَناً هيّا اسمعي فَضْلَ إنشائي وإنشادي إنا نديمانِ في شَرْع النوى فخُذي يا بنتَ ذي الطوقِ لحناً من بني الضاد فربّما تجمع الآلامُ إنْ نزلتْ ضدّين في الشكل والأخلاق والعادي لا تُنكريني فحالي كلُّها كرمٌ ولا يُريبكِ أتهامي وإنجادي وأنتَ يا عيدُ ليت اللهَ أبدلني منكَ الغداةَ بعوّاد وأعواد ما لي وللعيد والدنيا وبهجتِها وقد مضى أمسِ أترابي وأنداديأولئك الغرُّ إخواني ومن ذهبتْ بهم مواسمُ أفراحي وأعيادي مضَوْا، فهل علموا أني شقيتُ بمن ألبستُه ثوبَ إعزازٍ وإسعاد؟ لم يُجْزِني، لاجزاه اللهُ، صالحةً بِرّاً ببِرٍّ وإرفاداً بإرفاد لقيته أمسِ في طِمْرين مقتحماً دَوّاً بلا مركبٍ فيه ولا زاد فظِلْتُ أُوسعه بِرّاً وتكرمه حتى غدا وَهْو ذو وشيٍ وأَبْراد وحينما قلتُ إني قد ملأتُ يدي إذ غرّني صوتُ إبراقٍ وإرعاد تحوّل الحالُ عمّا كنتُ أسمع من وعدِ المثوبةِ الزلفى لإبعاد أبحتَ مني حِمىً قد كان ممتنعاً حِمى البهاليلِ: آبائي وأجدادي صيّرتَه بعد ذاك الأمنِ مسبعه تحمي مَرشّةَ أطيارٍ وأساد إن ترضَ بالحكم فالقرآنُ ذا حَكَمٌ وها أولو العلمِ والتاريخِ أَشْهادي هادٍ يضلّ وحيرانٌ يُدلّ وما طولُ البليّةِ إلا حيرةُ الهادي أغرقتَها فانجُ إنْ كنتَ اللبيبَ ولا أراكَ تسلم من بحرٍ وإزباد واصبرْ تذقْ مُرَّ ما ذاق الذين بغَوْا من قبلُ، واللهُ للباغي بمرصاد لا تخدعَنَّكَ نُعْمْى قد حبَوْكَ بها ولا الزعانفُ من رهطٍ وأجناد فلستُ أيأسُ من عدل المليكِ بأنْ يُخني عليهم كما أخنى على «عاد» لثمتُ كفّاً ولا أدري الذي اشتملتْ أصابعُ الصِّيدِ أم أشراكُ صَيّاد؟! وليتَ شعريَ هل عَرْفَ السماحةِ ما أشمُّ أم عَرْفَ «دارينا» و«بغداد»؟ مهامهٌ غرّني لمعُ السراب بها ومذهبٌ لم أكن فيه بنَقّاد! أستودع اللهَ ساداتٍ فقدتُهمُ حدا بهم، حيث لا ألقاهُمُ الحادي تحيّةُ اللهِ يا أيامَ ذي سَلَمٍ أيامَ لم نخشَ بأسَ القاهرِ العادي أيامَ كنا وكان الشملُ مجتمعاً وحيُّنا حيُّ طُلاّب وقُصّاد فإن جرى ذكرُ أربابِ السماحةِ أو نادي الكرامُ فإنا بهجةُ النادي لنا الكؤوسُ ونحن المنتشون بها منّا السقاةُ ومنّا الصادحُ الشادي واليومَ أبدتْ لنا الدنيا عجائبَها بما تقاسيه من حربٍ وأحقاد وما رمى الدهرُ وادينا بداهيةٍ مثل الأليمين: تفريقٍ وإبعاد لم نجنِ ذنباً، ففيمَ الحيفُ مُقترَفٌ؟ وما لنا اليومَ في سدٍّ وإيصاد ما نحن «يأجوجُ» بل قومٌ ذوو أَرَبٍ في الصالحات ولسنا قومَ إفساد بني أبي أنتُمُ زيدٌ على مائةٍ وما عدمتم أخا هديٍ وإرشاد عزّ النصيرُ وقلَّ المستعانُ بهِ ومَن يَهبّ إذا يُدعى لإنجاد سِيروا كراماً على اسم اللهِ لا تهنوا فدهرُكم دهرُ إصدارٍ وإيراد فما الفلاحُ وما سعيُ الشعوبِ لهُ لدى الحقيقةِ إلا سعيُ أفراد إن يُرسلِ اللهُ من عليائه فَرَجاً نُدرَكْ وإلا فكلٌّ رهنُ مِيعاد





الشاعر الهادي آدم
الهادي آدم (1927 م - ديسمبر 2006 م) شاعر سوداني ولد بقرية الهلالية في السودان تخرج في كلية دار العلوم بالجامعة المصرية وحصل علي درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، وحصل علي دبلوم عال في التربية من جامعة عين شمس، ثم حصل علي الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري بالسودان وعمل معلما بوزارة التعليم .
الهادي آدم (1927 م - ديسمبر 2006 م) شاعر سوداني ولد في مدينه الهلالية في السودان تخرج في كلية دار العلوم بالجامعة المصرية وحصل علي درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، وحصل علي دبلوم عال في التربية من جامعة عين شمس، ثم حصل علي الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري بالسودان وعمل معلما بوزارة التعليم .للشاعر آدم شعر وافر وله دواوين، أشهرها ديوان «كوخ الأشواق»، الذي يعده النقاد من أفضل ما قدم للأدب وللمكتبة السودانية، وكتب في مجالات الإبداع الأدبي الأخرى، وأشهر ما كتب في هذا المضمار مسرحية باسم «سعاد». كتب عدة أشعار منها قصيدة غداً ألقاك التي غنتها المطربة أم كلثوم. فيما كتب العديد من القصائد آخرها قصيدة لم تنشر بعد بعنوان (لن يرحل النيل)يصور فيها بريشة الفنان ذكرياته العزيزة التي عاد يتفقدها في حي منيل الروضة الذي سكنه في صباه.ويعتبر النقاد في الخرطوم الراحل آدم، 80 عاما، أنه ظل لعقود في مصاف الشعراء الكبار، ليس على مستوى السودان، وإنما على مستوى العالم العربي. ورغم انتمائه لجيل سابق للحركة الشعرية المعاصرة، فإنه يعتبر من الشعراء المحدثين.والهادي آدم من المعلمين القدامى في السودان في شتى المراحل الدراسية، خاصة المرحلة الثانوية العليا حيث درس في مدرسة حنتوب الثانوية. ويشهد له النقاد ودارسو تاريخ الأدب في بلاده، بأنه من أوائل الذين ساهموا في نهضة الشعر في البلاد، من خلال الجمعيات الأدبية التي كان يشرف عليها في المدارس التي عمل فيها في شتى بقاع السودان.يذكر أن قصيدة «أغدا ألقاك» اختارتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم من بين عشرات القصائد التي قدمت لها إبان زيارتها للسودان في عام 1968 م .و للشاعر الكبير مجموعة شعرية كاملة تضم كل أعماله الشعرية (كوخ الأشواق و نوافذ العدم و عفوا أيها المستحيل و تمت طباعة هذه المجموعة عن طريق مؤسسة أروقة الثقافية.من أعمال الشاعر الهادي آدم مرثيته للرئيس العربي الراحل جمال عبدا لناصر والتي تعتبر من القصائد الجميلة وهي بعنوان “أكذا تفارقنا ”:أكذا تفارقنا بغير وداع ياقبلة الأبصار والأسماعِماد الوجود وزلزلت أركانه لما نعاك إلى العروبة ناعِماذا عسى شعري وخطبك آخذ بالقلب ماذا يخط يراعيياصاحب الوجه النبيل وحامل الخطب الجليل وقمة الإبداعِ
((زارت أم كلثوم السودان عام 1968 لتغني لمصلحة المجهود الحربي بعد النكسة في 1967 في إطار جولتها في عدد من الدول العربية للغرض ذاتها، وقررت وقتها أن تغني لعدد من شعراء الدول العربية من بينها السعودية ولبنان، وعندما زارت السودان استقبلت استقبالا رائعا، ولذا اتخذت قرارا بأن تقدم شعراء السودان، وبدأت تبحث في الشعر السوداني وكنت سعيدا باختيار أم كلثوم لقصيدتي أغدا ألقاك لغنائها. ولكن تأخر تقديم القصيدة بسبب ظروف وفاة الرئيس جمال عبدا لناصر حتى غنتها أم كلثوم في مايو عام 1971 في مسرح سينما قصر النيل وكان يوما بهيجا)).وعن طفولته وحياته قال ((ولدت في قرية أصبحت مدينة الآن هي قرية الهلالية علي شاطئ النيل الأزرق جنوبي الخرطوم وتابعة للجزيرة وهي بيئة زراعية تجارية، والمؤكد أن الإنسان يتأثر بمسقط رأسه وموطنه .. والبيئة التي نشأت فيها أهلها أناس بسطاء طيبون يحرصون علي الرزق الحلال في الزراعة والتجارة ويؤازرون ويشاطرون بعضهم بعضا في الأفراح والاحزان، ويعتبرون كل من ينتمي كل من ينتمي إليهم جرءا لا يتجرأ منهم)). ودرس الهادي آدم في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ثم بكلية التربية بجامعة عين شمس .هنا نص القصيدة الشهيرة التي لحنها الموسيقار محمد عبد الوهابأغدا ألقاك
الشاعر السوداني الهادي ادم أغدا ألقاك ؟ يا خوف فؤادي من غد يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد آه كم أخشى غدي هذا ، وأرجوه اقترابا كنت استدنيه ، لكن ، هبته لما أهابا وأهلّت فرحة القرب به حين استجابا هكذا أحتمل العمر نعيما وعذابا مهجة حرى وقلبا مسه الشوق فذابا أغداً ألقاك؟ أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني أغدا تشرق أضواؤك في ليل عيوني ؟ آه من فرحة أحلامي ، ومن خوف ظنوني كم أناديك ، وفي لحني حنين ودعاء يا رجائي أنا ، كم عذبني طول الرجاء أنا لولا أنت لم أحفل بمن راح وجاء أنا أحيا في غدي الآن بأحلام اللقاء فأت، أو لا تأت أو فافعل بقلبي ما تشاء هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر هذه الدنيا ليال أنت فيها العمر هذه الدنيا عيون أنت فيه البصر هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر فارحم القلب الذي يصبو إليك فغدا تملكه بين يديك وغدا تأتلق الجنة أنهارا وظلا وغدا ننسى ، فلا نأسى على ماض تولى وغدا نسمو فلا نعرف للغيب محلا وغدا للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا قد يكون الغيب حلوا ، إنما الحاضر أحلى أغدا ألقاك؟


















الشاعر السوداني الهادي ادم
يا فتاتي
للشاعر الهادي آدم
يا فتاتي..ما للهوى بلدكل قلب في الحب يبتردوأنا ما خلقت في وطنفي حماه الحب مضطهدفلماذا أراك ثائرةوعلام السباب يضطردوالفراء الثمين منتفضكفؤاد يشقى به الجسدالأن السواد يغمرنيليس لي فيه يا فتاة يدأغريب؟.. إن تعلمي فأنالي ديار فيحاء ولى بلد كم تغنيت بين أربعهلحبيب في ثغره رغدولكم زارني وطوقنيبذراعيه فاتن غردأي ذنب جنيت فاندلعتثورة منك خانها الجلدأو ذنبي في قبلة خطرتمع نسيم إليك يتئد؟ألهذا فالنهد مضطرب؟ولهذا العيون تتقد؟ولماذا هذا الصليب يا ترىبين نهديك راح يرتعد؟خبريني ذات الفراء فقدجف جناني وأجدب الرشدأيمر النميربي ألقاوأنا ظامئ ولا أرد؟أو غيري هواك ينهبهوفؤادي لديك مضطهد؟ألي الهجر والضنى أبداولغيرى الشفاه والجسد؟لي كغيري يا زهرتي أملوفؤاد يهوى ولى كبدلي بدنياي مثلما لهموالي ماض وحاضر وغدفالوداع الوداع قاتلتيها أنا عن حماك أبتعدسوف تنأى خطاي عن بلدحجر قلب حوائه صلدوسأطوى الجراح في كبديغائرات وما لها عدد.









الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم من مواليد العام 1914 بمدينة رفاعة
قصيدة أنا سودانيللشاعر محمد عثمان عبد الرحيم
كل أجزائه لنا وطن إذ نباهي به ونفتتن نتغنى بحسنه أبدا دونه لا يروقنا حسنحيث كنا حدت بنا ذكر ملؤها الشوق كلنا شجننتملى جماله لنرى هل لترفيه عيشه ثمنخير هذي الدماء نبذلها كالفدائي حين يمتحن بسخاء بجرأة بقوى لا يني جهدها ولا تهن تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن أيها الناس نحن من نفر عمروا الأرض حيث ما قطنوا يذكر المجد كلما ذكروا وهو يعتز حين يقترن حكموا العدل في الورى زمنا أترى هل يعود ذا الزمن ردد الدهر حسن سيرتهم ما بها حطة ولا درن نزحوا لا ليظلموا أحدا لا ولا لا اضطهاد من امنوا وكثيرون في صدورهم تتنزى الأحقاد والإحن دوحة العرب أصلها كرم والى العرب تنسب الفطن أيقظ الدهر بينهم فتنا ولكم أفنت الورى الفتن يا بلادا حوت مآثرنا كالفراديس فيضها منن فجر النيل في اباطحها يكفل العيش وهي تحتضن رقصت تلكم الرياض له وتثنت غصونها اللدن وتغنى هزارها فرحا كمعشوق حدا به الشجن حفل الشيب والشباب معا وبتقديسه القمين عنوا نحن بالروح للسودان فدا فلتدم أنت أيها الوطن


الشاعر محى الدين فارس
محيي الدين فارس أحمد عبدا لمولى شاعر من السودان ولد عام 1936 في جزيرة أرقو - الإقليم الشمالي. أتم دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مصر عمل محاضراً بكلية بُخت الرضا, ومفتشاً فنيّاً في تعليم (ود مدني), ثم تفرغ لإنتاجه الأدبي. عمل في القاهرة في مجلة العالم العربي. نشر في العديد من الصحف والمجلات على امتداد الوطن العربي شارك في العديد المهرجانات المحلية والعربية . دواوينه الشعرية:
الطين والأظافر 1956 - نقوش على وجه المفازة 1978 - صهيل النهر - قصائد من الخمسينيات - القنديل المكسور 1997


لهـيبُ المعركــة
للشاعر محي الدين فارس لا بُدَّ من يومٍ تخرُّ بهِ الطواغيتُ المسنَّةْ لا بُدَّ من يومٍ تضجُّ بهِ الرياحُ المرجحنَّةْ فلكلِّ مذبحةٍ بجنحِ الليلِ مذبحة’’ مرنَّةْ تلغُو المدافعُ للمدافعِ والأسنةُ للأسنَّةْ إن الطريقَ مخضب’’ بدمِ الصباحاتِ الممعنة ما دام بيتُكَ في لهيبِ النارِ مشتعلُ الأكنَّةْ فاركبْ رياحَكَ في صدورِ الليلِ مطلقة الأعنَّةْ واضربْ فللجُدُرِ السميكةِ أنَّة’’ من بعدِ أنَّةْ لنموتَ كي نحيا ذرارينا وتنتهجُ الأجنَّةْلنظلّ مرفوعى البنودِ على القبابِ المطمئنَّةْ







لا لن أحيد عن الكفاح
الشاعر \ محى الدين فارس
أنا لست رعديداً يكبل خطوه ثقل الحديدوهناك أسراب الضحايا الكادحون العائدون مع الظلام من المصانع والحقول ملئوا الطريق عيونهم مجروحة الأغوار ذابلة البريق يتهامسون وسياط جلاد تسوق خطاهم ما تصنعون يجلجل الصوت الرهيب كأنه القدر اللعين تظل تفغر في الدجى المشئوم أفواه السجون ويغمغمون نحن الشعوب الكادحون وهناك قافلة تولول في متاهات الزمان وبلا دليل عمياء فاقدة المصير تمشى الملايين الحفاة العراة الجائعون مشردون في السفح في دنيا المزا بل والخرائب ينبشون والمترفون الهائمون يقهقهون ويضحكون يمزقون الليل في الحانات في دنيا الفتون والجاز ملتهب يضج حياله نهد وجيد موائد خضراء تطفح بالنبيذ والورود لهف من الشهوات يجتاز المعالم والصدور هل يسمعون ؟ صخب الرعود صخب الملايين الجياع يشق أسماع الوجود ؟ لا يسمعون !!! إلا شهوات حياتهم وكأنهم صم الصخور وغداً نعود حتماً نعود للقرية الغناء للكوخ الموشح بالورود نسير فوق جماجم الأسياد مرفوعي البنود تزغرد الخالات والأطفال ترقص والصغار والنخل والصفصاف والسيال زاهر الثمار وسنابل القمح المنور بالحقول وبالديارلا لن نحيد عن الكفاح
قصيدة اذرع اصفصاف
الشاعر محى الدين فارس أخذت تهامسني ممرات الحقولوشبك الصفصاف أذرعهيصد حرارة الرمضاء عنىتتبخر الأحزان مني حين اذرع دربها نخلاوأسقيها قرابيني وفنيفتعيدني لطفولتي..وتعيد لي الوتر المغنيوتمدني بعصارة النبت الجديدتقيلني من عثرتي... وتزود عنيتخضر آلاف الخلايا في تضاعيفيوينمو البرعم الغافي بأعماقيويزهر كل غصنالآن اخرج من شبابيك الدجىلأغيب في المجهولأمرق من إسار الطينأمرق من كوي الأزمانتشربني السماءلأعود للنبع الإلهي المضاءوصحوت تملأني إرادات الحياة..تقيلي لقضائهفي كل منعطف أجنومضيت أرسم للحياة طريقهاوأعيد ترتيبي وأبنيوأقيم للدنيا سرادقهاواغسل شرفة الإلهامبالمطر المغنيأعددت أشيائيوريشاتي... ولوحاتي... وفنيوجلوت أوتاري نفضت غبارهاوملأت دنيوحسبت أنيقد نجوت من الهجيرومن عذاباتي وحزنيوزجرت نفسيما الذي أغراك بالدنيا؟وماهي بالمقر المطمئنإن أقبلت أو أدبرتسيان عندك في التجنيوواريت نفسي وهي بالإيمان صامدةوفي الظلماء أنواء وعصفتتناسل الأهوال من حوليوصبري ماله حد ووصففلم التوقف في محطات الزمانوحولنا للنهر عزف!!من نحن؟نحن كنخلة خضراء في الوادي تزفتعطي... وما بخلتوكل عطائها للناس وقفستظل واقفةإلي أن تسقط الأوراق منا.. أو تجفالشمس تشرق كل يوم من جديد والحياةهديرها الموار فينا لايكفتجري كما الأنهارإن طبيعة الأنهار أن تجريتشق طريقهالاتستدير ولاتلف!!فابدأ حياتك بالكفاح وعشعلي أمل جديدالشمس تشرق من جديدوالفجر يضحك من جديدواغسل ضلوعك باليقينوبالبشاشة.. والنشيد








محمد المكي إبراهيم (1939 - )
· ولد في الأبيض
· تخرج من كلية القانون بجامعة الخرطوم
· صدر له من الدواوين:
1. أمتي
2. بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت.
قصيدة / بعض الرحيق أنا و البرتقالة أنتالشاعر محمد المكي إبراهيم
الله يا خلاسيه
يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل
يا مكحولة العينين
يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردة باللون مسقيّه
بعض الرحيق أنا
والبرتقالة أنت
يا مملوءة الساقين أطفالا خلاسيين
يا بعض زنجية
يا بعض عربيّه
وبعض أقوالي أمام الله
***
من اشتَرَاكِ اشترى فوح القرنفل
من أنفاس أمسية
أو السواحل من خصر الجزيرة
أو خصر الجزيرة
من موج المحيط
وأحضان الصباحية
من اشتراك اشترى
للجرح غمداً
وللأحزان مرثية
من اشتراك اشترى
منى ومنك
تواريخ البكاء
وأجيال العبودية
من اشتراك اشتراني يا خلاسيه
فهل أنا بائع وجهي
وأقوالي أمام الله
***
فليسألوا عنك أفواف النخيل رأت
رملاً كرملك
مغسولاً ومسقياً
وليسألوا عنك أحضان الخليج متى
ببعض حسنك
أغرى الحلم حوريه
وليسألوا عنك أفواج الغزاة رأت
نطحاً كنطحك والأيام مهديه
***
ليسألوا
فستروى كلُ قمريه
شيئاً من الشعر
عن نهديك في الأسحار
وليسألوا
فيقول السيفُ والأسفار.
***
يا برتقالة
قالوا يشربونك
حتى لا يعود بأحشاء الدفاق رحيق
ويهتكون الحمى
حتى تقوم لأنواع الفواحش سوق
والآن راحوا
فظلّ الدن والإبريق
ظلت دواليك تعطى
والكؤوس تدار
***
هزي إليك بجذع النبع
واغتسلي
من حزن ماضيك
في الرؤيا وفي الإصرار
هزي إليك
فأبراج القلاع تفيق
النحل طاف المراعى
وأهداك السلام الرحيق
الشرق الأحمر
والنعمى عليك إزار
نجرى ويمشون للخلف
حتى نكمل المشوار
***
طاف الكرى بعيون ألعاشقيك
فعادوا منك بالأحلام
ما للعراجين تطْواح
وليس لأطيار الخليج بغام
النبعُ أغفى وكلّ الكائنات نيام
إلا أنا
والشّذى
ورماح ألحارسيك قيام.
***
متى تجاوزتهم
وثباً إليك أجئ
شعري بليل
وحضني بالورود ملئ
فلتتركي الباب مفتوحا
وحظي في الفراش دفئ
ولتلبسي لي غلالات الشذى ى
وغناء النبع والأشجار
فلي حديث طويل
مع نهديك في الأسحار
يا برتقاله
ساعات اللقاء قصار
تأمليني في الصباح أطلْ
البحر صاجٍ
وتحفافُ النخيل غزل
وبركة القصر بالنيلوفر ازدحمت
والنحل أشبع كاسيات الزهور قبل
واننى الآن أزهى ما أكون
وأصبى من صباي
ومكسبا من النور الجديد إزار
تأمليني فإن الجزر أوشك
- إني ذاهب-
ومع المدّ الجديد سآتي
هل عرفتينى؟
في الريح والموج
في النوء القوى
وفي موتى وبعثي سأتى
فقولي قد عرفتينى
وقد نقشت تقاطيعي وتكويني
في الصخر والرمل ما بين النراجين
وإني صرت في لوح الهوى تذكار
والآن
***
لا شابعاً من طيب لحمك
أو ريّان منسكب نهديك أمضى
فأوعدينى أن ستدعون
إلى فراشك ليلا آخر
وتطيليه علىّ بشعرك
في زندي
***
ولونك في لوني وتكويني
فنيتُ فيك فضميني
إلى قبور الزهور الاستوائية
إلى البكاء
وأجيال العبودية
ضمي رفاتي
ولفيني بزندك
ما أحلى عبيرك
ما أقواك
عاريةً وزنجية
وبعض أقوالي أمام الله.









الشاعر صلاح احمد إبراهيم
الشاعر صلاح احمد إبراهيم واحد من كبار الشعراء - ليس في السودان فقط - بل في العالم العربي وهو من الذين جددوا- أو من أوائل المجددين- في الشعر السوداني، ولد عام 1933م وتلقى تعليمه في مدارس أم درمان أما دراسته الجامعية فكانت في كلية الآداب جامعة الخرطوم،
قصيدة (مارية ) للشاعر السوداني الراحل صلاح أحمد إبراهيم: ماريّهياماريّه:ليت لي أزميل((فدياس)) وروحاً عبقريةوأمامي تل ُ مرمرلنحت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك تمثالاً مُكبروجعلت الشعر كالشلال : بعضُُ يلزم الكتفوبعض يتبعثروعلى الأهداب ليلاً لا يُفسروعلى الخدين نوراً يتكسروعلى الأسنان سُكروفماً كالأسد الجوعان زمجريرسل الهمس به لحنا معطروينادى شفة عطشى وأخرى تتحسروعلى الصدر نوا فير جحيم تتفجروحزاماً في مضيقٍ ، كلما قلتُ قصيرُُ هو،كان الخصر أصغريا ماريهليت لي أزميل ((فدياس)) وروحاً عبقريةكنت أبدعتك يا ربة حسنى بيديَّيا ماريهليتني في قمَّةِ ((الأولمب)) جالسوحواليَّ العرائسوأنا في ذُروة الإلهام بين المُلهماتْأحتسي خمرةَ ((باخُوس)) النقيَّةفإذا ما سرتْ النّشْوةُ فيَّأتداعى ، وأُنادى : يا بناتنقٍّّروا القيثارة في رفقٍ وهاتوا الأغنياتْلماريهيا ماريهما لعشرينين باتت في سعير تتقلبترتدي ثوب عزوف وهي في الخفية ترغبوبصدرينا ((بروميثيوس)) في الصخرة مشدوداً يعذبفبجسم ألف نار وبجسم ألف عقربأنتِ يا هيلينُيا من عبرت تلقاء بحر عروقي ألفُ مركبْيا عيوناً كالينابيعِ صفاءْ...ونداوةوشفاهاً كالعناقيدِ امتلاءْ...وحلاوةوخُدوداً مثل أحلامي ضِياءْ ....وجمالاوقواماً يتثنّى كبرياءْ...واخْتيِالاودَماً ضجَّتْ به كلُّ الشرايينِ اشتهاءْ..يا صبيَّةتَصْطلي منهُ صباحاً ومساءْ....غجريَّةيا ماريّهأنا من إفريقيا صحرائها الكبرى وخطِّ الاستواءشحنتْني بالحراراتِ الشُموسْوشوتني كالقرابينِ على نارِ المجُوسْلفحتني فأنا منها كعودِ الأبنوسْو أنا منْجمُ كبْريت سريعِ الاشتعاليتلظَّى كلًّما اشتمّ على بُعدٍ (تعالى)) يا مريه:أنا من إفريقيا جوْعانُ كالطِّفلِ الصَّغيرْو أنا أهْفو إلى تُفاحة حمراء من يقربها يصبح مذنبفهلُمي ودعي الآلهةَ الحمقاءَ تغضبْوانْبئيها أنها لم تحترم رغبة نفسٍ بشريةأيُّ فردوسٍ بغيرِ الحبِّ كالصَّحراءِ مُجدبْيا ماريهوغداً تنفخُ في أشرِعتي أنفاسُ فُرْقةو أنا أزدادُ نأياً مثْل ((يوليس)) وفي الأعماق حرقةرُبما لا نلتقي ثانيةًيا ....ماريه
فتعالى وقّعي أسمك بالنار هُنا في شفتيووداعاً يا ماريه





No comments:

Post a Comment